|
|
لُوقَا
|
الإِنْجِيلُ
كَمَا دَوَّنَهُ لُوقَا
المسيحُ، في هَذا الإِنجيل، هو ابن الإِنسان مخلص العالم أجمع. وفيه
يُلِمُّ لوقا بكثير من التفاصيل حول حياة يسوع على الأرض، فينفرد بتدوين
بعض الحقائق والأحداث والأمثال مركزا على أن المسيح هو الإِنسان الكامل
والطبيب الشافي السّاعي وراء الهالكين ليخلصهم.
ينطلق
هَذا الإِنجيل من الحديث عن ولادة المسيح وطفولته، إلى تتبع خدمته منذ
بدايتها؛ وينتهي بالكلام عنْ آلامه وموته وقيامته وصعوده. ومما يلفت النظر
أن لوقا يُولي تعاليم المسيح بالأمثال اهتماما خاصّاً.
لماذا كتب هَذا الإِنجيل
1
لَمَّا
كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَقْدَمُوا عَلَى تَدْوِينِ قِصَّةٍ فِي الأَحْدَاثِ
الَّتِي تَمَّتْ بَيْنَنَا، 2كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا أُولئِكَ
الَّذِينَ كَانُوا مِنَ الْبَدَايَةِ شُهُودَ عِيَانٍ، ثُمَّ صَارُوا
خُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ، 3رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً، بَعْدَمَا تَفَحَّصْتُ
كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ تَفَحُّصاً دَقِيقاً، أَنْ أَكْتُبَهَا
إِلَيْكَ مُرَتَّبَةً يَاصَاحِبَ السُّمُوِّ ثَاوُفِيلُسَ 4لِتَتَأَكَّدَ
لَكَ صِحَّةُ الْكَلاَمِ الَّذِي تَلَقَّيْتَهُ.
البشارة
بميلاد يوحنا المعمدان
5كَانَ
فِي زَمَنِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا،
مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَزَوْجَتُهُ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ، وَاسْمُهَا
أَلِيصَابَاتُ. 6وَكَانَ كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، يَسْلُكَانِ
وَفْقاً لِوَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ كُلِّهَا بِغَيْرِ لَوْمٍ.
7وَلكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِراً
وَكِلاَهُمَا قَدْ تَقَدَّمَا فِي السِّنِّ كَثِيراً. 8وَبَيْنَمَا كَانَ
زَكَرِيَّا يُؤَدِّي خِدْمَتَهُ الْكَهَنُوتِيَّةَ أَمَامَ اللهِ فِي
دَوْرِ فِرْقَتِهِ، 9وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ الَّتِي أُلْقِيَتْ
حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ لِيَدْخُلَ هَيْكَلَ الرَّبِّ وَيُحْرِقَ
الْبَخُورَ. 10وَكَانَ جُمْهُورُ الشَّعْبِ جَمِيعاً يُصَلُّونَ خَارِجاً
فِي وَقْتِ إِحْرَاقِ الْبَخُورِ. 11فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنْ عِنْدِ
الرَّبِّ وَاقِفاً عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. 12فَاضْطَرَبَ
زَكَرِيَّا لَمَّا رَآهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْخَوْفُ. 13فَقَالَ لَهُ
الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَازَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ،
وَزَوْجَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِ
يُوحَنَّا، 14وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ وَكَثِيرُونَ
سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ. 15وَسَوْفَ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ
الرَّبِّ، وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً وَلاَ مُسْكِراً، وَيَمْتَلِيءُ
بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، 16وَيَرُدُّ
كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ،
17فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ وَلَهُ رُوحُ إِيلِيَّا وَقُدْرَتُهُ، لِيَرُدَّ
قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَوْلاَدِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى حِكْمَةِ
الأَبْرَارِ، لِيُهَيِّيءَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُعَدّاً!» 18فَسَأَلَ
زَكَرِيَّا الْمَلاَكَ: «بِمَ يَتَأَكَّدُ لِي هَذَا، فَأَنَا شَيْخٌ
كَبِيرٌ وَزَوْجَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي السِّنِّ؟» 19فَأَجَابَهُ
الْمَلاَكُ: «أَنَا جِبْرَائِيلُ، الْوَاقِفُ أَمَامَ اللهِ،
وَقَدْ أُرْسِلْتُ
لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. 20وَهَا أَنْتَ سَتَبْقَى صَامِتاً
لاَ تَسْتَطِيعُ الْكَلاَمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَحْدُثُ فِيهِ
هَذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي، وَهُوَ سَيَتِمُّ فِي حِينِهِ».
21وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا، وَهُمْ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ
تَأَخُّرِهِ دَاخِلَ الْهَيْكَلِ. 22وَلكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ لَمْ
يَقْدِرْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا دَاخِلَ
الْهَيْكَلِ. فَأَخَذَ يُشِيرُ لَهُمْ وَظَلَّ أَخْرَسَ.
23وَلَمَّا أَتَمَّ أَيَّامَ خِدْمَتِهِ، رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ.
24وَبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، حَبِلَتْ أَلِيصَابَاتُ زَوْجَتُهُ،
فَكَتَمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، قَائِلَةً: 25«هَكَذَا فَعَلَ
الرَّبُّ بِي، فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ لِيَنْزِعَ
عَنِّي الْعَارَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ!
»
26وَفِي شَهْرِهَا السَّادِسِ، أُرْسِلَ الْمَلاَكُ جِبْرَ ائِيلُ مِنْ
قِبَلِ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ بِالْجَلِيلِ اسْمُهَا النَّاصِرَةُ، 27إِلَى
عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ اسْمُهُ يُوسُفُ، مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ،
وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. 28فَدَخَلَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَهَا:
«سَلاَمٌ، أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! الرَّبُّ مَعَكِ: مُبَارَكَةٌ
أَنْتِ بَيْنَ النِّسَاءِ». 29فَاضْطَرَبَتْ لِكَلاَمِ الْمَلاَكِ،
وَسَاءَلَتْ نَفْسَهَا: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ!»
30فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَامَرْيَمُ، فَإِنَّكِ قَدْ
نِلْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ! 31وَها أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ
ابْناً، وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. 32إِنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً، وَابْنَ
الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيَمْنَحُهُ الرَّبُ الإِلهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيهِ،
33فَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَنْ يَكُونَ
لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».
34فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا، وَأَنَا لَسْتُ
أَعْرِفُ رَجُلاً؟» 35فَأَجَابَهَا الْمَلاَكُ: «الرُّوحُ الْقُدُسُ
يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُدْرَةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ. لِذلِكَ أَيْضاً
فَالْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. 36وَهَا هِيَ
نَسِيبَتُكِ أَلِيصَابَاتُ أَيْضاً قَدْ حَبِلَتْ بِابْنٍ فِي سِنِّهَا
الْمُتَقَدِّمَةِ. وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتِي
كَانَتْ تُدْعَى عَاقِراً. 37فَلَيْسَ لَدَى اللهِ وَعْدٌ يَسْتَحِيلُ
عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ». 38فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هَا أَنَا عَبْدَةُ
الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَمَا تَقُولُ!» ثُمَّ انْصَرَفَ الْمَلاَكُ مِنْ
عِنْدِهَا.
39وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إِلَى
الْجِبَالِ، قَاصِدَةً إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مُدُنِ يَهُوذَا. 40فَدَخَلَتْ
بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ. 41وَلَمَّا سَمِعَتْ
أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ، قَفَزَ الْجَنِينُ دَاخِلَ بَطْنِهَا.
وَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، 42وَهَتَفَتْ
بِصَوْتٍ عَالٍ قَائِلَةٍ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ بَيْنَ النِّسَاءِ!
وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! 43فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا: أَنْ
تَأْتِيَ إِلَيَّ أُمُّ رَبِّي؟ 44فَإِنَّهُ مَا إِنْ وَقَعَ صَوْتُ
سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ حَتَّى قَفَزَ الْجَنِينُ ابْتِهَاجاً فِي
بَطْنِي: 45فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ مَا قِيلَ لَهَا
مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ!
»
نشيد مريم
46فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، 47وَتَبْتَهِجُ رُوحِي
بِاللهِ مُخَلِّصِي. 48فَإِنَّهُ نَظَرَ إِلَى تَوَاضُعِ أَمَتِهِ، وَهَا
إِنَّ جَمِيعَ الأَجْيَالِ مِنَ الآنَ فَصَاعِداً سَوْفَ تُطَوِّبُنِي.
49فَإِنَّ الْقَدِيرَ قَدْ فَعَلَ بِي أُمُوراً عَظِيمَةً، قُدُّوسٌ
اسْمُهُ، 50وَرَحْمَتُهُ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ.
51عَمِلَ بِذِرَاعِهِ قُوَّةً؛ شَتَّتَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي نِيَّاتِ
قُلُوبِهِمْ. 52أَنْزَلَ الْمُقْتَدِريِنَ عَنْ عُرُوشِهِمْ، وَرَفَعَ
الْمُتَوَاضِعِينَ. 53أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ، وَصَرَفَ
الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. 54أَعَانَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ، مُتَذَكِّراً
الرَّحْمَةَ، 55كَمَا تَكَلَّمَ إِلَى آبَائِنَا، لإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ
إِلَى الأَبَدِ». 56وَأَقَامَتْ مَرْيَمُ عِنْدَ أَلِيصَابَاتَ نَحْوَ
ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا.
57وَأَمَّا أَلِيصَابَاتُ فَتَمَّ زَمَانُهَا لِتَلِدَ فَوَلَدَتِ ابْناً.
58وَسَمِعَ جِيرَانُهَا وَأَقَارِبُهَا أَنَّ الرَّبَّ أَفَاضَ رَحْمَتَهُ
عَلَيْهَا، فَفَرِحُوا مَعَهَا. 59وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ حَضَرُوا
لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ، وَكَادُوا يُسَمُّونَهُ زَكَرِيَّا عَلَى اسْمِ
أَبِيهِ. 60وَلَكِنَّ أُمَّهُ قَالَتْ: «لاَ، بَلْ يُسَمَّى يُوحَنَّا!»
61فَقَالُوا لَهَا: «لَيْسَ فِي عَشِيرَتِكِ أَحَدٌ تَسَمَّى بِهَذَا
الاسْمِ». 62وَأَشَارُوا لأَبِيهِ، مَاذَا يُرِيدُ أَنْ يُسَمَّى.
63فَطَلَبَ لَوْحاً وَكَتَبَ فِيهِ: «اسْمُهُ يُوحَنَّا». فَتَعَجَّبُوا
جَمِيعاً. 64وَانْفَتَحَ فَمُ زَكَرِيَّا فِي الْحَالِ وَانْطَلَقَ
لِسَانُهُ، فَتَكَلَّمَ مُبَارِكاً اللهَ . 65فَاسْتَوْلَى الْخَوْفُ عَلَى
جَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِي جُوَارِهِمْ، وَصَارَتْ هَذِهِ الأُمُورُ
مَوْضُوعَ الْحَدِيثِ فِي جِبَالِ الْيَهُودِيَّةِ كُلِّهَا. 66وَكَانَ
جَمِيعُ السَّامِعِينَ يَضَعُونَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، قَائِلِينَ: «تُرَى،
مَاذَا سَيَصِيرُ هَذَا الطِّفْلُ؟» فَقَدْ كَانَتْ يَدُ الرَّبِّ مَعَهُ.
67وَامْتَلَأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَتَنَبَّأَ
قَائِلاً: 68«تَبَارَكَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ تَفَقَّدَ
شَعْبَهُ وَعَمِلَ لَهُ فِدَاءً، 69وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي
بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ، 70كَمَا تَكَلَّمَ بِلِسَانِ أَنْبِيَائِهِ
الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ جَاءُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ: 71خَلاَصٍ مِنْ
أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا، 72لِيُتِمَّ
الرَّحْمَةَ نَحْوَ آبَائِنَا وَيَتَذَكَّرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ 73ذلِكَ
الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا: بِأَنْ يَمْنَحَنَا،
74بَعْدَ تَخْلِيصِنَا مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا، أَنْ نَعْبُدَهُ بِلاَ
خَوْفٍ، 75بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ أَمَامَهُ، طَوَالَ حَيَاتِنَا. 76وَأَنْتَ،
أَيُّهَا الطِّفْلُ، سَوْفَ تُدْعَى نَبِيَّ الْعَلِيِّ، لأَنَّكَ
سَتَتَقَدَّمُ أَمَامَ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ، 77لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ
الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ
78بِفَضْلِ عَوَاطِفِ الرَّحْمَةِ لَدَى إِلهَنَا، تِلْكَ الَّتِي
تَفَقَّدَنَا بِهَا الْفَجْرُ الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ، 79لِيُضِيءَ
عَلَى الْقَابِعِينَ فِي الظَّلاَمِ وَظِلِّ الْمَوْتِ، وَيَهْدِيَ
خُطَانَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ». 80وَكَانَ الطِّفْلُ يَنْمُو
وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ؛ وَأَقَامَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ
ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ.
2
وَفِي
ذلِكَ الزَّمَانِ، أَصْدَرَ الْقَيْصَرُ أُغُسْطُسُ مَرْسُوماً يَقْضِي
بِإِحْصَاءِ سُكَّانِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ. 2وَقَدْ تَمَّ هَذَا
الإِحْصَاءُ الأَوَّلُ عِنْدَمَا كَانَ كِيرِينِيُوسُ حَاكِماً
لِسُورِيَّةَ. 3فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُسَجَّلُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى
بَلْدَتِهِ. 4وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضاً مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ
بِمِنْطَقَةِ الْجَلِيلِ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الْمَدْعُوَّةِ بَيْتَ
لَحْمٍ بِمِنْطَقَةِ الْيَهُودِيَّةِ، لأَنَّهُ كَانَ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ
وَعَشِيرَتِهِ، 5لِيَتَسَجَّلَ هُنَاكَ مَعَ مَرْيَمَ الْمَخْطُوبَةِ لَهُ،
وَهِيَ حُبْلَى. 6وَبَيْنَمَا كَانَا هُنَاكَ، تَمَّ زَمَانُهَا لِتَلِدَ،
7فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ، وَلَفَّتْهُ بِقِمَاطٍ، وَأَنَامَتْهُ فِي
مِذْوَدٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مُتَّسَعٌ فِي الْمَنْزِلِ.
8وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ رُعَاةٌ يَبِيتُونَ فِي الْعَرَاءِ،
يَتَنَاوَبُونَ حِرَاسَةَ قَطِيعِهِمْ فِي اللَّيْلِ. 9وَإِذَا مَلاَكٌ
مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ
حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا أَشَدَّ الْخَوْفِ. 10فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ:
«لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَعُمُّ
الشَّعْبَ كُلَّهُ: 11فَقَدْ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ
دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. 12وَهَذِهِ هِيَ الْعَلاَمَةُ
لَكُمْ. تَجِدُونَ طِفْلاً مَلْفُوفاً بِقِمَاطٍ وَنَائِماً فِي مِذْوَدٍ».
13وَفَجْأَةً ظَهَرَ مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ
السَّمَاوِيِّ، يُسَبِّحُونَ اللهَ قَائِلِينَ: 14«الْمَجْدُ لِلهِ فِي
الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلامُ؛ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ!
»
15وَلَمَّا انْصَرَفَ الْمَلاَئِكَةُ عَنِ الرُّعَاةِ إِلَى السَّمَاءِ،
قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنَذْهَبْ إِذَنْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ،
وَنَنْظُرْ هَذَا الأَمْرَ الَّذِي حَدَثَ وَقَدْ أَعْلَمَنَا بِهِ
الرَّبُّ!» 16وَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، فَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ،
وَالطِّفْلَ نَائِماً فِي الْمِذْوَدِ. 17فَلَمَّا رَأَوْا ذلِكَ، أَخَذُوا
يُخْبِرُونَ بِمَا قِيلَ لَهُمْ بِخُصُوصِ هَذَا الطِّفْلِ. 18وَجَمِيعُ
الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ دُهِشُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاةُ.
19وَأَمَّا مَرْيَمُ، فَكَانَتْ تَحْفَظُ هَذِهِ الأُمُورَ جَمِيعاً،
وَتَتَأَمَّلُهَا فِي قَلْبِهَا. 20ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ يُمَجِّدُونَ
اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ
لَهُمْ.
21وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيُخْتَنَ الطِّفْلُ، سُمِّيَ
يَسُوعَ، كَمَا كَانَ قَدْ سُمِّيَ بِلِسَانِ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ
يُحْبَلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. 22ثُمَّ لَمَّا تَمَّتِ الأَيَّامُ
لِتَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدَا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ
لِيُقَدِّمَاهُ إِلَى الرَّبِّ، 23كَمَا كُتِبَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ:
«كُلُّ بِكْرٍ مِنَ الذُّكُورِ يُدْعَى قُدْساً لِلرَّبِّ»،
24وَلِيُقَدِّمَا ذَبِيحَةً كَمَا يُوصَى فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ:
«زَوْجَيْ يَمَامٍ، أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ».
25وَكَانَ فِي أُورُشَلِيمَ رَجُلٌ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهُوَ رَجُلٌ
بَارٌّ تَقِيٌّ يَنْتَظِرُ الْعَزَاءَ لإِسْرَائِيلَ وَكَانَ الرُّوحُ
الْقُدُسُ عَلَيْهِ. 26وَكَانَ الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ
أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ، 27وَقَدْ
جَاءَ إِلَى الْهَيْكَلِ بِدَافِعٍ مِنَ الرُّوحِ. فَلَمَّا أَحْضَرَ
الأَبَوَانِ الطِّفْلَ يَسُوعَ لِيُقَدِّمَا عَنْهُ مَا سُنَّ فِي
الشَّرِيعَةِ، 28حَمَلَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ ، وَقَالَ:
29«أَيُّهَا السَّيِّدُ، الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ بِسَلاَمٍ حَسَبَ
وَعْدِكَ! 30فَإِنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ 31الَّذِي
هَيَّأْتَهُ لِتُقَدِّمَهُ إِلَى الشُّعُوبِ كُلِّهَا، 32نُورَ هِدَايَةٍ
لِلأُمَمِ وَمَجْداً لِشَعْبِكَ إِسْرَ ائِيلَ». 33وَكَانَ أَبُوهُ
وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِنْ هَذَا الْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ.
34فَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّ الطِّفْلِ: «هَا
إِنَّ هَذَا الطِّفْلَ قَدْ جُعِلَ لِسُقُوطِ كَثِيرِينَ وَقِيَامِ
كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَآيَةً تُقَاوَمُ 35حَتَّى أَنْتِ
سَيَخْتَرِقُ نَفْسَكِ سَيْفٌ لِكَيْ تَنْكَشِفَ نِيَّاتُ قُلُوبٍ
كَثِيرَةٍ!
»
36وَكَانَتْ هُنَاكَ نَبِيَّةٌ، هِيَ حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ
سِبْطِ أَشِيرَ، وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي السِّنِّ، وَكَانَتْ قَدْ
عَاشَتْ مَعَ زَوْجِهَا سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ عَذْرَاوِيَّتِهَا، 37وَهِيَ
أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. لَمْ تَكُنْ تُفَارِقُ
الْهَيْكَلَ وَكَانَتْ تَتَعَبَّدُ لَيْلاً وَنَهَاراً بِالصَّوْمِ
وَالدُّعَاءِ. 38فَإِذْ حَضَرَتْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، أَخَذَتْ
تُسَبِّحُ الرَّبَّ وَتَتَحَدَّثُ عَنْ يَسُوعَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ
كَانُوا يَنْتَظِرُونَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ.
39وَبَعْدَ إِتْمَامِ كُلِّ مَا تَقْتَضِيهِ شَرِيعَةُ الرَّبِّ، رَجَعُوا
إِلَى مَدِينَتِهِمِ النَّاصِرَةِ بِالْجَلِيلِ. 40وَكَانَ الطِّفْلُ
يَنْمُو وَيَتَقَوَّى، مُمْتَلِئاً حِكْمَةً، وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ
عَلَيْهِ.
يسوع في الهيكل بين المعلمين
41وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي
عِيدِ الْفِصْحِ. 42فَلَمَّا بَلَغَ سِنَّ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، صَعِدُوا
إِلَى أُورُشَلِيمَ كَالْعَادَةِ فِي الْعِيدِ. 43وَبَعْدَ انْتِهَاءِ
أَيَّامِ الْعِيدِ، رَجَعَا، وَبَقِيَ الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي
أُورُشَلِيمَ، وَهُمَا لاَ يَعْلَمَانِ. 44وَلكِنَّهُمَا إِذْ ظَنَّاهُ
بَيْنَ الرِّفَاقِ، سَارَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَخَذَا
يَبْحَثَانِ عَنْهُ بَيْنَ الأَقَارِبِ وَالْمَعَارِفِ. 45وَلَمَّا لَمْ
يَجِدَاهُ، رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَبْحَثَانِ عَنْهُ. 46وَبَعْدَ
ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِساً وَسْطَ
الْمُعَلِّمِينَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِمْ وَيَطْرَحُ عَلَيْهِمِ
الأَسْئِلَةَ. 47وَجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوهُ ذُهِلُوا مِنْ فَهْمِهِ
وَأَجْوِبَتِهِ. 48فَلَمَّا رَأَيَاهُ دُهِشَا، وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:
«يَابُنَيَّ، لِمَاذَا عَمِلْتَ بِنَا هَكَذَا؟ فَقَدْ كُنَّا، أَبُوكَ
وَأَنَا، نَبْحَثُ عَنْكَ مُتَضَايِقَيْنِ!» 49فَأَجَابَهُمَا: «لِمَاذَا
كُنْتُمَا تَبْحَثَانِ عَنِّي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ عَلَيَّ أَنْ
أَكُونَ فِي مَا يَخُصُّ أَبِي؟» 50فَلَمْ يَفْهَمَا مَا قَالَهُ لَهُمَا.
51ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَرَجَعَ إِلَى النَّاصِرَةِ، وَكَانَ خَاضِعاً
لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا فِي
قَلْبِهَا. 52أَمَّا يَسُوعُ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ
وَالْقَامَةِ، وَفِي النِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.
3
وَفِي
السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِ الْقَيْصَرِ طِيبَارِيُوسَ؛
حِينَ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ حَاكِماً عَلَى مِنْطَقَةِ
الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ حَاكِمَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ وَأَخُوهُ
فِيلِبُّسُ حَاكِمَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَإِقْلِيمِ
تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ حَاكِمَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ؛
2فِي زَمَانِ رِئَاسَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا لِلْكَهَنَةِ؛ كَانَتْ
كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا وَهُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ.
3فَانْطَلَقَ إِلَى جَمِيعِ النَّوَاحِي الْمُحِيطَةِ بِنَهْرِ الأُرْدُنِّ
يُنَادِي بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، 4كَمَا
كُتِبَ فِي كِتَابِ أَقْوَالِ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ: «صَوْتُ مُنَادٍ فِي
الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ وَاجْعَلُوا سُبُلَهُ
مُسْتَقِيمَةً. 5كُلُّ وَادٍ سَيُرْدَمُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَتَلٍّ
سَيُخْفَضُ، وَتَصِيرُ الأَمَاكِنُ الْمُلْتَوِيَةُ مُسْتَقِيمَةً
وَالأَمَاكِنُ الْوَعْرَةُ طُرُقاً مُسْتَوِيَةً، 6فَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ
الْخَلاَصَ الإِلهِيَّ!
»
7فَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَيْهِ
لِيَتَعَمَّدُوا عَلَى يَدِهِ: «يَاأَوْلادَ الأَفَاعِي، مَنْ أَنْذَرَكُمْ
لِتَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ 8فَأَثْمِرُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ
بِالتَّوْبَةِ، وَلاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا
إِبْرَاهِيمُ أَباً! فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ
يُطْلِعَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإِبْرَاهِيمَ. 9وَهَا إِنَّ
الْفَأْسَ أَيْضاً قَدْ وُضِعَتْ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ: فَكُلُّ شَجَرَةٍ
لاَ تُثْمِرُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُطْرَحُ فِي النَّارِ».
10وَسَأَلَتْهُ الْجُمُوعُ: «فَمَاذَا نَفْعَلُ إِذَنْ؟» 11فَأَجَابَهُمْ:
«مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيُعْطِ مَنْ لاَ ثَوْبَ عِنْدَهُ؛
وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ، فَلْيَعْمَلْ كَذلِكَ أَيْضاً». 12وَجَاءَ
أَيْضاً جُبَاةُ ضَرَائِبَ لِيَتَعَمَّدُوا، فَسَأَلُوهُ: «يَامُعَلِّمُ،
مَاذَا نَفْعَلُ؟» 13فَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَجْبُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ
لَكُمْ». 14وَسَأَلَهُ أَيْضاً بَعْضُ الْجُنُودِ: «وَنَحْنُ، مَاذَا
نَفْعَلُ؟» فَأَجَابَهُمْ: «لاَ تَظْلِمُوا أَحَداً وَلاَ تَشْتَكُوا
كَذِباً عَلَى أَحَدٍ، وَاقْنَعُوا بِمُرَتَّبَاتِكُمْ!
»
15وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ (الْمَسِيحَ)، وَالْجَمِيعُ
يُسَائِلُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا: «هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ؟»
16أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قَائِلاً: «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ
بِالْمَاءِ، وَلكِنْ سَيَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْدَرُ مِنِّي، مَنْ لاَ
أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ: هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ
بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِالنَّارِ. 17فَهُوَ يَحْمِلُ الْمِذْرَى
بِيَدِهِ لِيُنَقِّيَ بَيْدَرَهُ تَمَاماً، فَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى
مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ».
18وَكَانَ يُبَشِّرُ الشَّعْبَ وَيَعِظُهُمْ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى
كَثِيرَةٍ. 19وَلكِنَّ هِيرُودُسَ حَاكِمَ الرُّبْعِ، إِذْ كَانَ يُوحَنَّا
قَدْ وَبَّخَهُ بِسَبَبِ هِيرُودِيَّا زَوْجَةِ أَخِيهِ وَبِسَبَبِ جَمِيعِ
مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الشُّرُورِ، 20أَضَافَ إِلَى شُرُورِهِ السَّابِقَةِ
هَذَا الشَّرَّ: أَنَّهُ حَبَسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ.
21وَلَمَّا تَعَمَّدَ الشَّعْبُ جَمِيعاً، تَعَمَّدَ يَسُوعُ، وَإِذْ كَانَ
يُصَلِّي، انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، 22وَهَبَطَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ
مُتَّخِذاً هَيْئَةً جِسْمِيَّةً مِثْلَ حَمَامَةٍ، وَانْطَلَقَ صَوْتٌ
مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: «أَنْتَ ابْنِي
الْحَبِيبُ بِكَ
سُرِرْتُ كُلَّ سُرُورٍ!
»
23وَلَمَّا بَدَأَ يَسُوعُ (خِدْمَتَهُ)، كَانَ فِي الثَّلاَثِينَ مِنَ
الْعُمْرِ تَقْرِيباً، وكَانَ مَعْرُوفاً أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ بْنِ
هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي بْنِ يَنَّا، بْنِ
يُوسُفَ 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي
بْنِ نَجَّايَ، 26بْنِ مَآثَ بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي بْنِ يُوسُفَ،
بْنِ يَهُوذَا 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ
شَأَلْتِئِيلَ بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ بْنِ
أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرَ 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ بْنِ يُورِيمَ،
بْنِ مَتْثَاتَ بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ
بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ 31بْنِ مَلَيَا بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ
مَتَّاثَا بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ بْنِ
بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ بْنِ
أَرَامَ بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ
بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ 35بْنِ
سَرُوجَ، بْنِ رَعُو بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ
قِينَانَ بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ 37بْنِ
مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ
قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ، بْنِ آدَمَ ابْنِ اللهِ.
4
أَمَّا
يَسُوعُ، فَعَادَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
فَاقْتَادَهُ الرُّوحُ فِي الْبَرِّيَّةِ 2أَرْبَعِينَ يَوْماً،
وَإِبْلِيسُ يُجَرِّبُهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً طَوَالَ تِلْكَ
الأَيَّامِ. فَلَمَّا تَمَّتْ، جَاعَ. 3فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ
كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى
خُبْزٍ». 4فَرَدَّ عَلَيْهِ يَسُوعُ قَاِئلاً: «قَدْ كُتِبَ: لَيْسَ
بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ
اللهِ!» 5ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ، وَأَرَاهُ
مَمَالِكَ الْعَالَمِ كُلَّهَا فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، 6وَقَالَ
لَهُ: «أُعْطِيكَ السُّلْطَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَمَالِكِ كُلِّهَا وَمَا
فِيهَا مِنْ عَظَمَةٍ، فَإِنَّهَا قَدْ سُلِّمَتْ إِلَىَّ وَأَنَا
أُعْطِيهَا لِمَنْ أَشَاءُ. 7فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي، تَصِيرُ كُلُّهَا
لَكَ!» 8فَرَ دَّ عَلَيْهِ يَسُوعُ قَائِلاً: «قَدْ كُتِبَ: لِلرَّبِّ
إِلهِكَ تَسْجُدُ، وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ
تَعْبُدُ!» 9ثُمَّ اقْتَادَهُ إِبْلِيسُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَوْقَفَهُ
عَلَى حَافَةِ سَطْحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ
اللهِ، فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى الأَسْفَلِ 10فَإِنَّهُ قَدْ
كُتِبَ: يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ، 11فَعَلَى
أَيْدِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ، لِئَلاَّ تَصْدِمَ قَدَمَكَ بِحَجَرٍ».
12فَرَدَّ عَلَيْهِ يَسُوعُ قَائِلاً: «قَدْ قِيلَ: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ
إِلهَكَ!» 13وَبَعْدَمَا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ، انْصَرَفَ
عَنْ يَسُوعَ إِلَى أَنْ يَحِينَ الْوَقْتُ.
14وَعَادَ يَسُوعُ إِلَى مِنْطَقَةِ الْجَلِيلِ بِقُدْرَةِ الرُّوحِ؛
وَذَاعَ صِيتُهُ فِي الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ كُلِّهَا. 15وَكَانَ
يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِ الْيَهُودِ، وَالْجَمِيعُ يُمَجِّدُونَهُ.
16وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ نَشَأَ، وَدَخَلَ
الْمَجْمَعَ، كَعَادَتِهِ، يَوْمَ السَّبْتِ، وَوَقَفَ لِيَقْرَأَ.
17فَقُدِّمَ إِلَيْهِ كِتَابُ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ، فَلَمَّا فَتَحَهُ
وَجَدَ الْمَكَانَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ: 18«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ،
لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْفُقَرَاءَ؛ أَرْسَلَنِي لأُنَادِيَ
لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاقِ وَلِلْعُمْيَانِ بِالْبَصَرِ، لأُطْلِقَ
الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَاراً، 19وَأُبَشِّرَ بِسَنَةِ الْقَبُولِ عِنْدَ
الرَّبِّ». 20ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ،
وَجَلَسَ. وَكَانَتْ عُيُونُ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَجْمَعِ
شَاخِصَةً إِلَيْهِ. 21فَأَخَذَ يُخَاطِبُهُمْ قَائِلاً: «الْيَوْمَ تَمَّ
مَا قَدْ سَمِعْتُمْ مِنْ آيَاتٍ...» 22وَشَهِدَ لَهُ جَمِيعُ
الْحَاضِرِينَ، مُتَعَجِّبِينَ مِنْ كَلاَمِ النِّعْمَةِ الْخَارِجِ مِنْ
فَمِهِ، وَتَسَاءَلُوا: «أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ يُوسُفَ؟» 23فَقَالَ لَهُمْ:
«لاَ شَكَّ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ لِي هَذَا الْمَثَلَ: أَيُّهَا الطَّبِيبُ
اشْفِ نَفْسَكَ! فَاصْنَعْ هُنَا فِي بَلْدَتِكَ مَا سَمِعْنَا أَنَّهُ
جَرَى فِي كَفْرَنَاحُومَ...» 24ثُمَّ أَضَافَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:
مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَلُ فِي بَلْدَتِهِ. 25وَبِالْحَقِيقَةِ أَقُولُ
لَكُمْ: كَانَ فِي إِسْرَائِيلَ أَرَامِلُ كَثِيرَاتٌ فِي زَمَانِ
إِيلِيَّا، حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ
أَشْهُرٍ، حَتَّى حَدَثَتْ مَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا؛
26وَلَكِنَّ إِيلِيَّا لَمْ يُرْسَلْ إِلَى أَيَّةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ
بَلْ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ فِي صَرْفَةِ صَيْدَا. 27وَكَانَ فِي
إِسْرَائِيلَ، فِي زَمَانِ النَّبِيِّ أَلِيشَعَ، كَثِيرُونَ مُصَابُونَ
بِالْبَرَصِ؛ وَلكِنْ لَمْ يُطَهَّرْ أَيُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بَلْ
نُعْمَانُ السُّورِيُّ!» 28فَامْتَلَأَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَجْمَعِ
غَضَباً لَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ الأُمُورَ، 29وَقَامُوا يَدْفَعُونَهُ
إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ وَسَاقُوهُ إِلَى حَافَةِ الْجَبَلِ الَّذِي
بُنِيَتْ علَيْهِ مَدِينَتُهُمْ لِيَطْرَحُوهُ إِلَى الأَسْفَلِ. 30إِلاَّ
أَنَّهُ اجْتَازَ مِنْ وَسْطِهِمْ، وَانْصَرَفَ.
31وَنَزَلَ إِلَى كَفْرَنَاحُومَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بِمِنْطَقَةِ
الْجَلِيلِ، وَأَخَذَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ أَيَّامَ السَّبْتِ.
32فَذُهِلُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّ كَلِمَتَهُ كَانَتْ ذَاتَ سُلْطَةٍ.
33وَكَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ يَسْكُنُهُ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ.
فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَالٍ: 34«آهِ! مَا شَأْنُكَ بِنَا يَايَسُوعُ
النَّاصِرِيُّ؟ أَجِئْتَ لِتُهْلِكَنَا؟ أَنَا أَعْرِفُ مَنْ أَنْتَ:
أَنْتَ قُدُّوسُ اللهِ». 35فَزَجَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «اخْرَسْ،
وَاخْرُجْ مِنْهُ». وَإِذْ طَرَحَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوَسَطِ، خَرَجَ
مِنْهُ وَلَمْ يُصِبْهُ بِأَذًى. 36فَاسْتَوْلَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى
الْجَمِيعِ، وَأَخَذُوا يَتَسَاءَلُونَ فِي مَا بَيْنَهُمْ: «أَيُّ
كَلِمَةٍ هِيَ هَذِهِ؟ فَإِنَّهُ بِسُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ يَأْمُرُ
الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتَخْرُجُ!» 37وَذَاعَ صِيتُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ
مِنَ الْمِنْطَقَةِ الْمُجَاوِرَةِ.
شفاء
حماة بطرس
38ثُمَّ غَادَرَ الْمَجْمَعَ، وَدَخَلَ بَيْتَ سِمْعَانَ. وَكَانَتْ
حَمَاةُ سِمْعَانَ تُعَانِي حُمَّى شَدِيدَةً، فَطَلَبُوا إِلَيْهِ
إِعَانَتَهَا. 39فَوَقَفَ بِجَانِبِ فِرَاشِهَا، وَزَجَرَ الْحُمَّى،
فَذَهَبَتْ عَنْهَا. فَوَقَفَتْ فِي الْحَالِ وَأَخَذَتْ تَخْدِمُهُمْ.
40وَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، أَخَذَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ
مَرْضَى مُصَابُونَ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْضِرُونَهُمْ إِلَيْهِ،
فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَشَفَاهُمْ.
41وَخَرَجَتْ أَيْضاً شَيَاطِينُ مِنْ كَثِيرِينَ، وَهِيَ تَصْرُخُ
قَائِلَةً: «أَنْتَ ابْنُ اللهِ!» فَكَانَ يَزْجُرُهُمْ وَلاَ يَدَعُهُمْ
يَتَكَلَّمُونَ، إِذْ عَرَفُوا أَنَّهُ الْمَسِيحُ.
42وَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ، خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَكَانٍ مُقْفِرٍ.
فَبَحَثَتِ الْجُمُوعُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ
لِئَلاَّ يَرْحَلَ عَنْهُمْ. 43وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «لاَبُدَّ لِي
مِنْ أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الأُخْرَى أَيْضاً بِمَلَكُوتِ اللهِ،
لأَنِّي لِهَذَا قَدْ أُرْسِلْتُ». 44وَمَضَى يُبَشِّرُ فِي مَجَامِعِ
الْيَهُودِيَّةِ.
5
وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمْعُ مُحْتَشِدِينَ حَوْلَهُ لِيَسْمَعُوا كَلِمَةَ
اللهِ، كَانَ هُوَ وَاقِفاً عَلَى شَاطِيءِ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ.
2فَرَأَى قَارِبَيْنِ رَاسِيَيْنِ عَلَى جَانِبِ الْبُحَيْرَةِ وَقَدْ
غَادَرَهُمَا الصَّيَّادُونَ، وَكَانُوا يَغْسِلُونَ الشِّبَاكَ. 3فَرَكِبَ
أَحَدَ الْقَارِبَيْنِ، وَكَانَ لِسِمْعَانَ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ
يَبْتَعِدَ قَلِيلاً عَنِ الْبَرِّ، ثُمَّ جَلَسَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ
مِنَ الْقَارِبِ. 4وَلَمَّا أَنْهَى كَلاَمَهُ، قَالَ لِسِمْعَانَ:
«ابْتَعِدْ إِلَى حَيْثُ الْعُمْقِ، وَاطْرَحُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ».
5فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ: «يَاسَيِّدُ قَدْ جَاهَدْنَا طَوَالَ اللَّيْلِ
وَلَمْ نَصِدْ شَيْئاً. وَلكِنْ لأَجْلِ كَلِمَتِكَ سَأَطْرَحُ الشِّبَاكَ
!» 6وَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، صَادُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً، حَتَّى
تَخَرَّقَتْ شِبَاكُهُمْ. 7فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمِ الَّذِينَ فِي
الْقَارِبِ الآخَرِ أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ. فَأَتَوْا، وَمَلَأُوا
الْقَارِبَيْنِ كِلَيْهِمَا حَتَّى كَادَا يَغْرِقَانِ. 8وَلكِنْ لَمَّا
رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ، جَثَا عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ وَقَالَ:
«اُخْرُجْ مِنْ قَارِبِي يَارَبُّ، لأَنِّي إِنْسَانٌ خَاطِيءٌ». 9فَقَدِ
اسْتَوْلَتِ الدَّهْشَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا
مَعَهُ، لِكَثْرَةِ الصَّيْدِ الَّذِي صَادُوهُ، 10وَكَذلِكَ عَلَى
يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا ابْنَيْ زَبَدِي اللَّذَيْنِ كَانَا شَرِيكَيْنِ
لِسِمْعَانَ. وَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: «لاَ تَخَفْ! مُنْذُ الآنَ
تَكُونُ صَائِداً لِلنَّاسِ». 11وَبَعْدَمَا رَجَعُوا بِالْقَارِبَيْنِ
إِلَى الْبَرِّ، تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوا يَسُوعَ.
12وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ فِي إِحْدَى الْمُدُنِ، إِذَا إِنْسَانٌ يُغَطِّي
الْبَرَصُ جِسْمَهُ، مَا إِنْ رَأَى يَسُوعَ حَتى خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ
وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ قَائِلاً: «يَاسَيِّدُ، إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ قَادِرٌ
أَنْ تُطَهِّرَنِي!» 13فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً:
«إِنِّي أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!» وَفِي الْحَالِ زَالَ عَنْهُ الْبَرَصُ.
14فَأَوْصَاهُ: «لاَ تُخْبِرْ أَحَداً، بَلِ اذْهَبْ وَاعْرِضْ نَفْسَكَ
عَلَى الْكَاهِنِ، وَقَدِّمْ لِقَاءَ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى،
فَيَكُونَ ذلِكَ شَهَادَةً لَهُمْ». 15عَلَى أَنَّ خَبَرَ يَسُوعَ زَادَ
انْتِشَاراً، حَتَّى تَوَافَدَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ
لِيَسْتَمِعُوا إِلَيْهِ وَيَنَالُوا الشِّفَاءَ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ.
16أَمَّا هُوَ، فَكَانَ يَنْسَحِبُ إِلَى الأَمَاكِنِ الْمُقْفِرَةِ حَيْثُ
يُصَلِّي.
شفاء
المشلول
17وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ بَيْنَ الْجَالِسِينَ
بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ وَمُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ أَتَوْا مِنْ
كُلِّ قَرْيَةٍ فِي الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ.
وَظَهَرَتْ قُدْرَةُ الرَّبِّ لِتَشْفِيَهُمْ. 18وَإِذَا بَعْضُهُمْ
يَحْمِلُونَ عَلَى فِرَاشٍ إِنْسَاناً مَشْلُولاً، حَاوَلُوا أَنْ
يَدْخُلُوا بِهِ وَيَضَعُوهُ أَمَامَهُ. 19وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا طَرِيقاً
لإِدْخَالِهِ بِسَبَبِ الزِّحَامِ، صَعِدُوا بِهِ إِلَى السَّطْحِ
وَدَلَّوْهُ مِنْ بَيْنِ اللَّبِنِ عَلَى فِرَاشِهِ إِلَى الوَسَطِ
قُدَّامَ يَسُوعَ. 20فَلَمَّا رَأَى إِيمَانَهُمْ، قَالَ: «أَيُّهَا
الإِنْسَانُ، قَدْ غُفِرَتْ لَكَ خَطَايَاكَ!» 21فَأَخَذَ الْكَتَبَةُ
وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ: «مَنْ هَذَا الَّذِي
يَنْطِقُ بِكَلاَمِ التَّجْدِيفِ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا
إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ؟» 22وَلكِنَّ يَسُوعَ أَدْرَكَ مَا يُفَكِّرُونَ
فِيهِ، فَأَجَابَهُمْ قَائِلاً: «فِيمَ تُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِكُمْ؟
23أَيُّ الأَمْرَيْنِ أَسْهَلُ: أَنْ أَقُولَ: قَدْ غُفِرَتْ لَكَ
خَطَايَاكَ! أَمْ أَنْ أَقُولَ: قُمْ وَامْشِ؟ 24وَلكِنِّي (قُلْتُ ذلِكَ)
لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ ِلابْنِ الإِنْسَانِ عَلَى الأَرْضِ سُلْطَةَ
غُفْرَانِ الْخَطَايَا...» وَقَالَ لِلْمَشْلُولِ: «لَكَ أَقُولُ: قُمِ
احْمِلْ فِرَاشَكَ، وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ». 25وَفِي الْحَالِ قَامَ
أَمَامَهُمْ وَذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ مُمَجِّداً اللهَ ، وَقَدْ حَمَلَ مَا
كَانَ رَاقِداً عَلَيْهِ. 26فَأَخَذَتِ الْحَيْرَةُ الْجَمِيعَ،
وَمَجَّدُوا اللهَ؛ وَقَدْ تَمَلَّكَهُمُ الْخَوْفُ، وَقَالُوا: «رَأَيْنَا
الْيَوْمَ عَجَائِبَ!
»
يسوع يدعو لاوي
27وَخَرَجَ بَعْدَ ذلِكَ فَرَأَى جَابِي ضَرَائِبَ، اسْمُهُ لاَوِي،
جَالِساً فِي مَكْتَبِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي!»
28فَقَامَ لاَوِي وَتَبِعَهُ تَارِكاً كُلَّ شَيْءٍ. 29وَأَقَامَ لَهُ
وَلِيمَةً عَظِيمَةً فِي بَيْتِهِ، وَكَانَ مُتَّكِئاً مَعَهُمْ جَمْعٌ
كَبِيرٌ مِنَ الْجُبَاةِ وَغَيْرِهِمْ. 30فَتَذَمَّرَ كَتَبَةُ الْيَهُودِ
وَالْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلاَمِيذِهِ، قَائِلِينَ: «لِمَاذَا
تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ جُبَاةِ ضَرَائِبَ وَخَاطِئِينَ؟»
31فَرَدَّ عَلَيْهِمْ يَسُوعُ قَائِلاً: «لَيْسَ الأَصِحَّاءُ هُمُ
الْمُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّبِيبِ، بَلِ الْمَرْضَى! 32مَا جِئْتُ
لأَدْعُوَ إِلَى التَّوْبَةِ أَبْرَاراً بَلْ خَاطِئِينَ!
»
33وَقَالُوا لَهُ: «إِنَّ تَلاَمِيذَ يُوحَنَّا يَصُومُونَ كَثِيراً
وَيَرْفَعُونَ الطَّلِبَاتِ، وَكَذلِكَ يَفْعَلُ أَيْضاً تَلاَمِيذُ
الْفَرِّيسِيِّينَ؛ وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَ بُونَ!»
34فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا أَهْلَ الْعُرْسِ
يَصُومُونَ مَادَامَ الْعَرِيسُ بَيْنَهُمْ؟ 35وَلكِنَّ أَيَّاماً
سَتَأْتِي يَكُونُ الْعَرِيسُ فِيهَا قَدْ رُفِعَ مِنْ بَيْنِهِمْ،
فَحِينَئِذٍ، فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، يَصُومُونَ». 36وَضَرَبَ لَهُمْ
أَيْضاً مَثَلاً: «لاَ أَحَدَ يَنْتَزِعُ قِطْعَةً مِنْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ
لِيَرْقَعَ بِهَا ثَوْباً عَتِيقاً، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يُمَزِّقُ
الْجَدِيدَ، وَالرُّقْعَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْجَدِيدِ لاَ تُوَافِقُ
الْعَتِيقَ. 37وَلاَ أَحَدَ يَضَعُ خَمْراً جَدِيدَةً فِي قِرَبٍ
عَتِيقَةٍ، وَإِلاَّ، فَإِنَّ الْخَمْرَ الْجَدِيدَةَ تُفَجِّرُ الْقِرَبَ،
فَتُرَاقُ الْخَمْرُ وَتَتْلَفُ الْقِرَبُ. 38وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ
تُوضَعَ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ فِي قِرَبٍ جَدِيدَةٍ. 39وَمَا مِنْ أَحَدٍ
إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ الْعَتِيقَةَ، يَرْغَبُ فِي الْجَدِيدَةِ، لأَنَّهُ
يَقُولُ: الْعَتِيقَةُ أَطْيَبُ!
»
6
وَذَاتَ سَبْتٍ مَرَّ يَسُوعُ بَيْنَ الْحُقُولِ، فَأَخَذَ تَلاَمِيذُهُ
يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ الْقَمْحِ وَيَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَأْكُلُونَ. 2وَلكِنَّ بَعْضَ الْفَرِّيسِيِّينَ قَالُوا لَهُمْ:
«لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ؟» 3فَرَدَّ
عَلَيْهِمْ يَسُوعُ قَائِلاً: «أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ
حِينَمَا جَاعَ مَعَ مُرَافِقِيهِ؟ 4كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَخَذَ
خُبْزَ التَّقْدِمَةِ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَعْطَى مُرَافِقِيهِ، مَعَ أَنَّ
الأَكْلَ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ لاَ يَحِلُّ إِلاَّ لِلْكَهَنَةِ
وَحْدَهُمْ؟» 5ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ
السَّبْتِ!
»
شفاء
ذي اليد اليابسة
6وَفِي
سَبْتٍ آخَرَ، دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَأَخَذَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَالِكَ
رَجُلٌ يَدُهُ الْيُمْنَى يَابِسَةٌ. 7فَأَخَذَ الْكَتَبَةُ
وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَ يَسُوعَ: هَلْ يَشْفِي فِي السَّبْتِ،
لِكَيْ يَجِدُوا مَا يَتَّهِمُونَهُ بِهِ. 8إِلاَّ أَنَّهُ عَلِمَ
نِيَّاتِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ: «قُمْ، وَقِفْ
فِي الْوَسَطِ!» فَقَامَ، وَوَقَفَ هُنَاكَ. 9فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:
«أَسْأَلُكُمْ سُؤَالاً: أَيَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَمْ
فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ النَّفْسِ أَوْ إِهْلاكُهَا؟» 10وَبَعْدَمَا
أَدَارَ نَظَرَهُ فِيهِمْ جَمِيعاً، قَالَ لَهُ: «مُدَّ يَدَكَ!» فَمَدَّ
يَدَهُ، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً. 11وَلكِنَّ الْحَمَاقَةَ اسْتَوْلَتْ
عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخَذُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي مَا بَيْنَهُمْ مَاذَا
يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ.
الرُسل الإِثنا عشر
12وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ، خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ، وَقَضَى
اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ لِلهِ. 13وَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ،
اسْتَدْعَى تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ سَمَّاهُمْ
أَيْضاً رُسُلاً. 14وَهُمْ: سِمْعَانُ، وَقَدْ سَمَّاهُ أَيْضاً بُطْرُسَ،
وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ؛ يَعْقُوبُ، وَيُوحَنَّا؛ فِيلِبُّسُ،
وَبَرْثُلَمَاوُسُ؛ 15مَتَّى، وَتُومَا؛ يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى،
وَسِمْعَانُ الْمَعْرُوفُ بِالْغَيُورِ؛ 16يَهُوذَا أَخُو يَعْقُوبَ،
وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي خَانَهُ فِي مَا بَعْدُ.
17ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمْ، وَوَقَفَ فِي مَكَانٍ سَهْلٍ، هُوَ وَجَمَاعَةٌ
مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَجُمْهُورٌ كَبِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ، مِنْ جَمِيعِ
الْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ وَسَاحِلِ صُورَ وَصَيْدَا، 18جَاءُوا
لِيَسْمَعُوهُ وَيَنَالُوا الشِّفَاءَ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. وَالَّذِينَ
كَانَتْ تُعَذِّبُهُمُ الأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ كَانُوا يُشْفَوْنَ.
19وَكَانَ الْجَمْعُ كُلُّهُ يَسْعَوْنَ إِلَى لَمْسِهِ، لأَنَّ قُدْرَةً
كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِيهِمْ جَمِيعاً.
20ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «طُوبَى لَكُمْ
أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، فَإِنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ! 21طُوبَى لَكُمْ
أَيُّهَا الْجَائِعُونَ الآنَ، فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تُشْبَعُونَ. طُوبَى
لَكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَضْحَكُونَ.
22طُوبَى لَكُمْ مَتَى أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَعَزَلُوكُمْ، وَأَهَانُوا
اسْمَكُمْ وَنَبَذُوهُ كَأَنَّهُ شِرِّيرٌ، مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ.
23افْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا، فَهَا إِنَّ
مُكَافَأَتَكُمْ فِي السَّمَاءِ عَظِيمَةٌ: لأَنَّهُ هَكَذَا عَامَلَ
آبَاؤُهُمُ الأَنْبِيَاءَ. 24«وَلكِنِ الْوَيْلُ لَكُمْ أَنْتُمُ
الأَغْنِيَاءُ، فَإِنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ! 25الْوَيْلُ لَكُمْ
أَيُّهَا الْمُشْبَعُونَ الآنَ، فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَجُوعُونَ. الْوَيْلُ
لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ الآنَ، فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَنُوحُونَ
وَتَبْكُونَ. 26الْوَيْلُ لَكُمْ إِذَا امْتَدَحَكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ،
فَإِنَّهُ هَكَذَا عَامَلَ آبَاؤُهُمُ الأَنْبِيَاءَ الدَّجَّالِينَ.
27«وَأَمَّا لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ، فَأَقُولُ: أَحِبُّوا
أَعْدَاءَكُمْ؛ أَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ؛
28بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ؛ صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ
إِلَيْكُمْ. 29وَمَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ، فَاعْرِضْ لَهُ الْخَدَّ
الآخَرَ أَيْضاً. وَمَنِ انْتَزَعَ رِدَاءَكَ، فَلاَ تَمْنَعْ عَنْهُ
ثَوْبَكَ أَيْضاً. 30أَيُّ مَنْ طَلَبَ مِنْكَ شَيْئاً فَأَعْطِهِ؛ وَمَنِ
اغْتَصَبَ مَالَكَ، فَلاَ تُطَالِبْهُ. 31وَبِمِثْلِ مَا تُرِيدُونَ أَنْ
يُعَامِلَكُمُ النَّاسُ عَامِلُوهُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً. 32فَإِنْ
أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَحَتَّى
الْخَاطِئُونَ يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ! 33وَإِنْ أَحْسَنْتُمْ
مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ مُعَامَلَتَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ
لَكُمْ؟ فَحَتَّى الْخَاطِئُونَ يَفْعَلُونَ هَكَذَا! 34وَإِنْ
أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَأْمُلُونَ أَنْ تَسْتَوْفُوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ
فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَحَتَّى الْخَاطِئُونَ يُقْرِضُونَ الْخَاطِئِينَ لِكَيْ
يَسْتَوْفُوا مِنْهُمْ مَا يُسَاوِي قَرْضَهُمْ. 35وَلكِنْ، أَحِبُّوا
أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا الْمُعَامَلَةَ، وَأَقْرِضُوا دُونَ أَنْ
تَأْمُلُوا اسْتِيفَاءَ الْقَرْضِ، فَتَكُونَ مُكَافَأَتُكُمْ عَظِيمَةً،
وَتَكُونُوا أَبْنَاءَ الْعَلِيِّ، لأَنَّهُ يُنْعِمُ عَلَى نَاكِرِي
الْجَمِيلِ وَالأَشْرَارِ. 36فَكُونُوا أَنْتُمْ رُحَمَاءَ، كَمَا أَنَّ
أَبَاكُمْ رَحِيمٌ.
37وَلاَ تَدِينُوا، فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَحْكُمُوا عَلَى أَحَدٍ، فَلاَ
يُحْكَمَ عَلَيْكُمْ. اغْفِرُوا، يُغْفَرْ لَكُمْ. 38أَعْطُوا، تُعْطَوْا:
فَإِنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي أَحْضَانِكُمْ كَيْلاً جَيِّداً مُلَبَّداً
مَهْزُوزاً فَائِضاً، لأَنَّهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ،
يُكَالُ لَكُمْ». 39وَأَخَذَ يَضْرِبُ لَهُمُ الْمَثَلَ، فَقَالَ: «هَلْ
يَقْدِرُ الأَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَلاَ يَسْقُطَانِ مَعاً فِي
حُفْرَةٍ؟ 40لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَرْفَعَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، بَلْ كُلُّ
مَنْ يَتَكَمَّلُ يَصِيرُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ! 41وَلِمَاذَا تُلاَحِظُ
الْقَشَّةَ فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَلكِنَّكَ لاَ تَتَنَبَّهُ إِلَى
الْخَشَبَةِ الْكَبِيرَةِ فِي عَيْنِكَ؟ 42أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ
تَقُولَ لأَخِيكَ: يَاأَخِي، دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَشَّةَ الَّتِي فِي
عَيْنِكَ! وأَنْتَ لاَ تُلاحِظُ الْخَشَبَةَ الَّتِي في عَيْنِكَ أَنْتَ.
يَامُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَعِنْدَئِذٍ
تُبْصِرُ جَيِّداً لِتُخْرِجَ الْقَشَّةَ الَّتِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ.
43فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُنْتِجُ ثَمَراً رَدِيئاً، وَلاَ
شَجَرَةٍ رَدِيئَةٍ تُنْتِجُ ثَمَراً جَيِّداً: 44لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ
تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَلاَ يُجْنَى مِنَ الشَّوْكِ تِينٌ، وَلاَ
يُقْطَفُ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبٌ. 45إِنَّ الإِنْسَانَ الصَّالِحَ، مِنْ
كَنْزِهِ الصَّالِحِ فِي قَلْبِهِ يُطْلِعُ مَا هُوَ صَالِحٌ. أَمَّا
الشِّرِّيرُ، فَمِنْ كَنْزِهِ الشِّرِّيرِ يُطْلِعُ مَا هُوَ شِرِّيرٌ:
لأَنَّهُ مِنْ فَيْضِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ.
46وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! وَلاَ تَعْمَلُونَ بِمَا
أَقُولُهُ؟ 47كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ، فَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ
بِهِ، أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. 48إِنَّهُ يُشْبِهُ إِنْسَاناً يَبْنِي
بَيْتاً، فَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. ثُمَّ
هَطَلَ مَطَرٌ غَزِيرٌ وَصَدَمَ السَّيْلُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ
يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ.
49وَأَمَّا مَنْ سَمِعَ وَلَمْ يَعْمَلْ، فَهُوَ يُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى
بَيْتاً عَلَى الأَرْضِ دُونَ أَسَاسٍ. فَلَمَّا صَدَمَهُ السَّيْلُ،
انْهَارَ فِي الْحَالِ؛ وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ جَسِيماً!
»
7
وَبَعْدَمَا أَتَمَّ إِلْقَاءَ أَقْوَالِهِ كُلِّهَا فِي مَسَامِعِ
الشَّعْبِ، دَخَلَ بَلْدَةَ كَفْرَنَاحُومَ. 2وَكَانَ عِنْدَ قَائِدِ
مِئَةٍ عَبْدٌ مَرِيضٌ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ عَزِيزاً
عَلَيْهِ. 3فَلَمَّا سَمِعَ بِيَسُوعَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ
الْيَهُودِ، مُتَوَسِّلاً إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ وَيُنْقِذَ عَبْدَهُ.
4وَلَمَّا أَدْرَكُوا يَسُوعَ، طَلَبُوا إِلَيْهِ بِإِلْحَاحٍ قَائِلِينَ:
«إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَمْنَحَهُ طَلَبَهُ، 5فَهُوَ يُحِبُّ
أُمَّتَنَا، وَقَدْ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ». 6فَرَافَقَهُمْ يَسُوعُ.
وَلَكِنْ مَا إِنْ أَصْبَحَ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنَ الْبَيْتِ،
حَتَّى أَرْسَلَ
إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ، يَقُولُ لَهُ:
«يَاسَيِّدُ، لاَ تُكَلِّفْ نَفْسَكَ، لأَنِّي لاَ أَسْتَحِقُّ أَنْ
تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِ بَيْتِي. 7وَلِذلِكَ لاَ أَعْتَبِرُ نَفْسِي
أَهْلاً لأَنْ أُلاَقِيَكَ. إِنَّمَا قُلْ كَلِمَةً، فَيُشْفَى خَادِمِي:
8فَأَنَا أَيْضاً رَجُلٌ مَوْضُوعٌ تَحْتَ سُلْطَةٍ أَعْلَى مِنِّي، وَلِي
جُنُودٌ تَحْتَ إِمْرَتِي، أَقُولُ لأَحَدِهِمْ: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ؛
وَلِغَيْرِهِ: تَعَالَ! فَيَأْتِي؛ وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هَذَا!
فَيَفْعَلُ». 9فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذلِكَ، تَعَجَّبَ مِنْهُ، ثُمَّ
الْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ، وَقَالَ: «أَقُولُ لَكُمْ:
لَمْ أَجِدْ حَتَّى فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً عَظِيماً كَهَذَا!»
10وَلَمَّا رَجَعَ الْمُرْسَلُونَ إِلَى الْبَيْتِ، وَجَدُوا الْعَبْدَ
الْمَرِيضَ قَدْ تَعَافَى.
11وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ اسْمُهَا نَايِينُ،
يُرَافِقُهُ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَجمْعٌ عَظِيمٌ. 12وَلَمَّا
اقْتَرَبَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ، وَهُوَ ابْنٌ
وَحِيدٌ لأُمِّهِ الَّتِي كَانَتْ أَرْمَلَةً، وَكَانَ مَعَهَا جَمْعٌ
كَبِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. 13فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ، تَحَنَّنَ
عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: «لاَ تَبْكِي!» 14ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ
النَّعْشَ، فَتَوَقَّفَ حَامِلُوهُ. وَقَالَ: «أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ
أَقُولُ: قُمْ!» 15فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَبَدَأَ يَتَكَلَّمُ، فَسَلَّمَهُ
إِلَى أُمِّهِ. 16فَاسْتَوْلَى الْخَوْفُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمَجَّدُوا
اللهَ، قَائِلِينَ: «قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَتَفَقَّدَ اللهُ
شَعْبَهُ !» 17وَذَاعَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْهُ فِي مِنْطَقَةِ
الْيَهُودِيَّةِ كُلِّهَا وَفِي جَمِيعِ النَّوَاحِي الْمُجَاوِرَةِ.
يسوع ويوحنا المعمدان
18وَنَقَلَ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا إِلَيْهِ خَبَرَ هَذِهِ كُلِّهَا. فَدَعَا
يُوحَنَّا اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، 19وَأَرْسَلَهُمَا إِلَى الرَّبِّ،
يَسْأَلُهُ: «أَأَنْتَ هُوَ الآتِي، أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» 20فَلَمَّا
جَاءَ الرَّجُلاَنِ إِلَى الرَّبِّ، قَالاَ: «أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ
يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، يَسْأَلُ: أَأَنْتَ هُوَ الآتِي، أَمْ
نَنْتَظِرُ آخَرَ ؟» 21وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ شَفَى كَثِيرِينَ مِنْ
أَمْرَاضٍ وَعِلَلٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ، وَوَهَبَ الْبَصَرَ
لِعُمْيَانٍ كَثِيرِينَ. 22فَرَدَّ يَسُوعُ عَلَى الْمُرْسَلَيْنِ
قَائِلاً: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمَا
وَسَمِعْتُمَا: أَنَّ الْعُمْيَانَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ،
وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى
يُقَامُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. 23وَطُوبَى لِكُلِّ مَنْ لاَ
يَشُكُّ فِيَّ!
»
24وَمَا إِنِ انْصَرَفَ مُرْسَلا يُوحَنَّا حَتَّى أَخَذَ يَسُوعُ
يَتَحَدَّثُ إِلَى الْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى
الْبَرِّيَّةِ لِتَرَوْا؟ أَقَصَبَةً تَهُزُّهَا الرِّيَاحُ؟ 25بَلْ مَاذَا
خَرَجْتُمْ لِتَرَوْا؟ أَإِنْسَاناً يَلْبَسُ ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هَا
إِنَّ لاَبِسِي الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَالْمُتَرَفِّهِينَ هُمْ فِي
قُصُورِ الْمُلُوكِ. 26إِذَنْ، مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَرَوْا؟ أَنَبِيّاً؟
نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَعْظَمَ مِنْ نَبِيٍّ! 27فَهَذَا هُوَ الَّذِي
كُتِبَ عَنْهُ: إِنِّي مُرْسِلٌ قُدَّامَكَ رَسُولِي الَّذِي يُمَهِّدُ
لَكَ طَرِيقَكَ. 28فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَنْ
وَلَدَتْهُمُ النِّسَاءُ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي
مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ!» 29وَلَمَّا سَمِعَ ذلِكَ جَمِيعُ
الشَّعْبِ، حَتَّى جُبَاةُ الضَّرَائِبِ، اعْتَرَفُوا بِبِرِّ اللهِ إِذْ
كَانُوا قَدْ تَعَمَّدُوا بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا؛ 30وَأَمَّا
الْفَرِّيسِيُّونَ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ رَفَضُوا قَصْدَ اللهِ
مِنْ نَحْوِهِمْ إِذْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ تَعَمَّدُوا عَلَى يَدِهِ.
31«فَبِمَنْ أُشَبِّهُ إِذَنْ أَهْلَ هَذَا الْجِيلِ؟ وَمَنْ يُشْبِهُونَ؟
32إِنَّهُمْ يُشْبِهُونَ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي السَّاحَةِ
الْعَامَّةِ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ،
فَلَمْ تَرْقُصُوا؛ ثُمَّ نَدَبْنَا لَكُمْ، فَلَمْ تَبْكُوا! 33فَقَدْ
جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً،
فَقُلْتُمْ: إِنَّ شَيْطَاناً يَسْكُنُهُ. 34ثُمَّ جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ
يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَقُلْتُمْ: هَذَا رَجُلٌ شَرِهٌ سِكِّيرٌ، صَدِيقٌ
لِجُبَاةِ الضَّرَائِبِ وَالْخَاطِئِينَ؛ 35وَلكِنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ
بَرَّرَهَا جَمِيعُ أَبْنَائِهَا. ».
يسوع
يغفر لامرأة خاطئة
36وَلكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ
عِنْدَهُ. فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. 37وَكَانَ فِي
الْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ خَاطِئَةٌ، فَمَا إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِيءٌ
فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، حَتىَّ جَاءَتْ تَحْمِلُ قَارُورَةَ عِطْرٍ،
38وَوَقَفَتْ مِنْ وَرَائِهِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ بَاكِيَةً، وَأَخَذَتْ
تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ وَتَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا،
وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ بِحَرَارَةٍ وَتَدْهُنُهُمَا بِالْعِطْرِ.
39فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، حَدَّثَ نَفْسَهُ
قَائِلاً: «لَوْ كَانَ هَذَا نَبِيّاً، لَعَلِمَ مَنْ هِيَ هَذِهِ
الْمَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ، وَمَا حَالُهَا؛ فَإِنَّهَا خَاطِئَةٌ!»
40فَرَدَّ عَلَيْهِ يَسُوعُ قَائِلاً: «يَاسِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ
أَقُولُهُ لَكَ». أَجَابَ: «قُلْ يَامُعَلِّمُ!» 41فَقَالَ: «كَانَ لأَحَدِ
الْمُتَعَامِلِينَ بِالدَّيْنِ، دَيْنٌ عَلَى اثْنَيْنِ: عَلَى أَحَدِهِمَا
خَمْسُ مِئَةِ دِينَارٍ، وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. 42وَلكِنْ إِذْ لَمْ
يَكُنْ عِنْدَهُمَا مَا يَدْفَعَانِهِ وَفَاءً لِلدَّيْنِ، سَامَحَهُمَا
كِلَيْهِمَا. فَأَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبّاً لَهُ؟» 43فَأَجَابَ
سِمْعَانُ: «أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالدَّيْنِ الأَكْبَرِ». فَقَالَ
لَهُ: «حَكَمْتَ حُكْماً صَحِيحاً!» 44ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ،
وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «أَتَرَى هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ
بَيْتَكَ وَلَمْ تُقَدِّمْ لِي مَاءً لِغَسْلِ قَدَمَيَّ! أَمَّا هِيَ،
فَقَدْ غَسَلَتْ قَدَمَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِهَا.
45أَنْتَ لَمْ تُقَبِّلْنِي قُبْلَةً وَاحِدَةً! أَمَّا هِيَ، فَمُنْذُ
دُخُولِي لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ تَقْبِيلِ قَدَمَيَّ. 46أَنْتَ لَمْ
تَدْهُنْ رَأْسِي بِزَيْتٍ! أَمَّا هِيَ، فَقَدْ دَهَنَتْ قَدَمَيَّ
بِالْعِطْرِ. 47لِهَذَا السَّبَبِ أَقُولُ لَكَ: إِنَّ خَطَايَاهَا
الْكَثِيرَةَ قَدْ غُفِرَتْ، لِهَذَا أَحَبَّتْ كَثِيراً. وَلكِنَّ الَّذِي
يُغْفَرُ لَهُ الْقَلِيلُ، يُحِبُّ قَلِيلاً!» 48ثُمَّ قَالَ لَهَا:
«مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ!» 49فَأَخَذَ الْمُتَّكِئُونَ يُسَائِلُونَ
أَنْفُسَهُمْ: «مَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي يَغْفِرُ الْخَطَايَا أَيْضاً؟»
50وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ. اذْهَبِي بِسَلاَمٍ!»
8
بَعْدَ
ذلِكَ أَخَذَ يَجُولُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ وَاعِظاً
وَمُبَشِّراً بِمَلَكُوتِ اللهِ وَكَانَ يُرَافِقُهُ تَلاَمِيذُهُ
الاِثْنَا عَشَرَ، 2وَبَعْضُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ قَدْ شُفِينَ
مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ، وَهُنَّ: مَرْيَمُ الْمَعْرُوفَةُ
بِالْمَجْدَلِيَّةِ الَّتِي طَرَدَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ،
3وَيُوَنَّا زَوْجَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ،
وَغَيْرُهُنَّ كَثِيرَاتٌ مِمَّنْ كُنَّ يُسَاعِدْنَهُ بِأَمْوَالِهِنَّ.
مَثل الزارع
4فَلَمَّا اجْتَمَعَ حَوْلَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا
إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ، خَاطَبَهُمْ بِمَثَلٍ: 5«خَرَجَ الزَّارِعُ
لِيَزْرَعَ بِذَارَهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَزْرَعُ، وَقَعَ بَعْضُ
الْبِذَارِ عَلَى الْمَمَرَّاتِ، فَدَاسَتْهُ الأَقْدَامُ، وَالْتَهَمَتْهُ
طُيُورُ السَّمَاءِ. 6وَوَقَعَ بَعْضُهُ عَلَى الصَّخْرِ، فَلَمَّا طَلَعَ
يَبِسَ لأَنَّهُ كَانَ بِلاَ رُطُوبَةٍ. 7وَوَقَعَ بَعْضُهُ فِي وَسَطِ
الأَشْوَاكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ مَعَهُ وَخَنَقَهُ. 8وَبَعْضُ الْبِذَارِ
وَقَعَ فِي الأَرْضِ الصَّالِحَةِ. وَلَمَّا نَبَتَ، أَنْتَجَ ثَمَراً
مِئَةَ ضِعْفٍ». قَالَ هَذَا وَنَادَى «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ،
فَلْيَسْمَعْ!»
تَفسير
مَثل الزارع
9وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ: «مَا هُوَ مَغْزَى هَذَا الْمَثَلِ؟» 10فَقَالَ:
«لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ. أَمَّا
الآخَرُونَ، فَأُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ: يَنْظُرُونَ
وَلاَ يُبْصِرُونَ، وَيَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ. 11وَهَذَا مَغْزَى
الْمَثَلِ: الْبِذَارُ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. 12وَمَا وَقَعَ عَلَى
الْمَمَرَّاتِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ (الْكَلِمَةَ)، ثُمَّ يَأْتِي
إِبْلِيسُ وَيَخْطَفُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلاَّ يُؤْمِنُوا
فَيَخْلُصُوا. 13وَمَا وَقَعَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ
الْكَلِمَةَ بِفَرَ حٍ لَدَى سَمَاعِهَا، وَهَؤُلاَءِ لاَ أَصْلَ لَهُمْ،
فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَتَرَاجَعُونَ.
14وَمَا وَقَعَ حَيْثُ الأَشْوَاكُ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ثُمَّ
يَمْضُونَ فَتَخْنُقُهُمْ هُمُومُ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتُهَا،
فَلاَ يُنْتِجُونَ ثَمَراً نَاضِجاً. 15وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ فِي
الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ
وَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُنْتِجُونَ ثَمَراً
بِالصَّبْرِ.
16وَلاَ أَحَدَ يُشْعِلُ مِصْبَاحاً ثُمَّ يُغَطِّيهِ بِوِعَاءٍ، أَوْ
يَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ، بَلْ يَرْفَعُهُ عَلَى مَنَارَةٍ لِيَرَى
الدَّاخِلُونَ النُّورَ. 17فَمَا مِنْ مَحْجُوبٍ لَنْ يُكْشَفَ، وَلاَ
سِرٍّ لَنْ يُعْلَمَ وَيُعْلَنَ. 18فَتَنَبَّهُوا إِذَنْ كَيْفَ
تَسْمَعُونَ. فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ، يُعْطَى الْمَزِيدَ؛ وَمَنْ لَمْ
يَكُنْ عِنْدَهُ، فَحَتَّى الَّذِي يَظُنُّهُ لَهُ، يُنْتَزَعُ مِنْهُ!»
19وَجَاءَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ
الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الزِّحَامِ. 20فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّ أُمَّكَ
وَإِخْوَتَكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً، يُرِيدُونَ أَنْ يَرَوْكَ!»
21وَلكِنَّهُ أَجَابَهُمْ قَائِلاً: «أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ
يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا».
22وَذَاتَ يَوْمٍ رَكِبَ قَارِباً هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ، وَقَالَ لَهُمْ:
«لِنَعْبُرْ إِلَى الضِّفَّةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْبُحَيْرَةِ!»
فَأَقْلَعُوا. 23وَفِيمَا هُمْ مُبْحِرُونَ، نَامَ. وَهَبَّتْ عَلَى
الْبُحَيْرَةِ عَاصِفَةُ رِيحٍ مُفَاجِئَةٌ، فَأَخَذَ الْمَاءُ يَمْلَأُ
الْقَارِبَ، وَأَحَاطَ بِهِمِ الْخَطَرُ. 24فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِ
وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَاسَيِّدُ، يَاسَيِّدُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!»
فَنَهَضَ وَزَجَرَ الرِّيحَ وَالْمَاءَ الْهَائِجَ، فَسَكَنَا وَسَادَ
الْهُدُوءُ. 25ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟» وَإِذْ خَافُوا،
ذُهِلُوا، وَقَالَ أَحَدُهُمْ لِلآخَرِ: «مَنْ هُوَ هَذَا إِذَنْ حَتَّى
إِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ؟ »
طرد
الشياطين وغرق الخنازير
26وَوَصَلُوا إِلَى بَلْدَةِ الْجِرَاسِيِّينَ، وَهِيَ تَقَعُ مُقَابِلَ
الْجَلِيلِ. 27فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ، لاَقَاهُ رَجُلٌ مِنَ
الْمَدِينَةِ تَسْكُنُهُ الشَّيَاطِينُ مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ
لاَ يَلْبَسُ ثَوْباً وَلاَ يَسْكُنُ بَيْتاً بَلْ يُقِيمُ بَيْنَ
الْقُبُورِ. 28فَمَا إِنْ رَأَى يَسُوعَ، حَتَّى صَرَخَ وَانْطَرَحَ
أَمَامَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ: «مَا شَأْنُكَ بِي يَايَسُوعُ ابْنَ
اللهِ العَلِيِّ؟ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ أَلاَّ تُعَذِّبَنِي؟» 29فَإِنَّ
يَسُوعَ كَانَ قَدْ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ
الرَّجُلِ. فَكَثِيراً مَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ، وَكُلَّمَا رُبِطَ
بِالسَّلاَسِلِ وَالْقُيُودِ لِيُضْبَطَ، حَطَّمَ الْقُيُودَ وَسَاقَهُ
الشَّيْطَانُ إِلَى الْقِفَارِ. 30فَسَأَلَهُ يَسُوعُ: «مَا اسْمُكَ؟»
فَقَالَ: «لَجِيُونُ!» لأَنَّ جَيْشاً كَبِيراً مِنَ الشَّيَاطِينِ كَانُوا
قَدْ دَخَلُوا فِيهِ، 31وَقَدْ تَوَسَّلُوا إِلَيْهِ أَلاَّ يَأْمُرَهُمْ
بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ. 32وَكَانَ هُنَالِكَ قَطِيعٌ كَبِيرٌ
مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى فِي الْجَبَلِ، فَالْتَمَسُوا مِنْهُ أَنْ
يَأْذَنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْخَنَازِيرِ، فَأَذِنَ لَهُمْ.
33فَخَرَجَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الإِنْسَانِ، وَدَخَلَتْ فِي
الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى حَافَةِ الْجَبَلِ إِلَى
الْبُحَيْرَةِ وَمَاتَ غَرَقاً. 34فَلَمَّا رَأَى الرُّعَاةُ مَا حَدَثَ،
هَرَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْمَزَارِعِ يَنْشُرُونَ الْخَبَرَ.
35فَخَرَجَ النَّاسُ لِيَرَوْا مَا حَدَثَ، وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ،
فَوَجَدُوا الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ جَالِساً
عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَهُوَ لاَبِسٌ وَسَلِيمُ الْعَقْلِ. فَخَافُوا.
36وَأَخْبَرَهُمْ أَيْضاً الَّذِينَ شَاهَدُوا مَا حَدَثَ، كَيْفَ شُفِيَ
الْمَسْكُونُ. 37فَطَلَبَ جَمِيعُ أَهَالِي بَلْدَةِ الْجِرَاسِيِّينَ مِنْ
يَسُوعَ أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ، لأَنَّ خَوْفاً عَظِيماً اسْتَوْلَى
عَلَيْهِمْ. فَرَكِبَ الْقَارِبَ، وَرَجَعَ. 38وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي
خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، فَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ أَنْ يُرَافِقَهُ.
وَلكِنَّهُ صَرَفَهُ قَائِلاً: 39«اِرْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ، وَحَدِّثْ
بِمَا عَمِلَهُ اللهُ بِكَ!» فَمَضَى سَائِراً فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا،
وَهُوَ يُنَادِي بِمَا عَمِلَهُ بِهِ يَسُوعُ.
40وَلَمَّا عَادَ يَسُوعُ، رَحَّبَ بِهِ الْجَمْعُ، لأَنَّهُمْ كَانُوا
كُلُّهُمْ يَتَرَقَّبُونَ عَوْدَتَهُ. 41وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ،
وَهُوَ رَئِيسٌ لِلْمَجْمَعِ، قَدْ جَاءَ وَانْطَرَحَ عِنْدَ قَدَمَيْ
يَسُوعَ وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ أَنْ يُرَافِقَهُ إِلَى بَيْتِهِ، 42لأَنَّ
لَهُ ابْنَةً وَحِيدَةً، عُمْرُهَا حَوَالَيْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً،
وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ. وَفِيمَا هُوَ ذَاهِبٌ، كَانَتِ
الْجُمُوعُ تَزْحَمُهُ.
43وَكَانَتْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزِيفٍ دَمَوِيٍّ مُنْذُ
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَعَ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ
مَا تَمْلِكُهُ أَجْراً لِلأَطِبَّاءِ، فَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ الشِّفَاءِ
عَلَى يَدِ أَحَدٍ. 44فَتَقَدَّمَتْ إِلَى يَسُوعَ مِنْ خَلْفِهِ،
وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ؛ وَفِي الْحَالِ تَوَقَّفَ نَزِيفُ دَمِهَا.
45وَقَالَ يَسُوعُ: «مَنْ لَمَسَنِي؟» فَلَمَّا أَنْكَرَ الْجَمِيعُ
ذَلِكَ، قَالَ بُطْرُسُ وَرِفَاقُهُ: «يَاسَيِّدُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ
عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَسْأَلُ: مَنْ لَمَسَنِي؟» 46فَقَالَ
يَسُوعُ: «إِنَّ شَخْصاً مَا قَدْ لَمَسَنِي، لأَنِّي شَعَرْتُ بِأَنَّ
قُدْرَةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي». 47فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ
أَمْرَهَا لَمْ يُكْتَمْ، تَقَدَّمَتْ مُرْتَجِفَةً، وَارْتَمَتْ أَمَامَهُ
مُعْلِنَةً أَمَامَ جَمِيعِ النَّاسِ لأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ
نَالَتِ الشِّفَاءَ فِي الْحَالِ. 48فَقَالَ لَهَا: «يَاابْنَةُ،
إِيْمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ؛ اذْهَبِي بِسَلاَمٍ!
»
49وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ، جَاءَ مَبْعُوثٌ مِنْ بَيْتِ رَئِيسِ
الْمَجْمَعِ، يَقُولُ لَهُ: «مَاتَتِ ابْنَتُكَ. لاَ تُكَلِّفِ
الْمُعَلِّمَ بَعْدُ!» 50وَإِذْ سَمِعَ يَسُوعُ ذلِكَ، كَلَّمَهُ قَائِلاً:
«لاَ تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ، فَتَنْجُوَ ابْنَتُكَ!» 51وَلَمَّا وَصَلَ
إِلَى الْبَيْتِ، لَمْ يَدَعْ أَحَداً يَدْخُلُ مَعَهُ إِلاَّ بُطْرُسَ
وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبَا الْفَتَاةِ وَأُمَّهَا. 52وَكَانَ
الْجَمِيعُ يَبْكُونَهَا وَيَنْدُبُونَهَا. فَقَالَ: «لاَ تَبْكُوا.
إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ، بَلْ هِيَ نَائِمَةٌ!» 53فَضَحِكُوا مِنْهُ،
لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا مَاتَتْ. 54وَلكِنَّهُ، بَعْدَمَا أَخْرَجَهُمْ
جَمِيعاً، أَمْسَكَ بِيَدِهَا، وَنَادَى قَائِلاً: «يَاصَبِيَّةُ، قُومِي!»
55فَعَادَتْ إِلَيْهَا رُوحُهَا، وَنَهَضَتْ فِي الْحَالِ. وَأَمَرَ أَنْ
يُقَدَّمَ لَهَا طَعَامٌ. 56فَدُهِشَ وَالِدَاهَا؛ وَلكِنَّهُ أَوْصَاهُمَا
أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَداً بِمَا جَرَى.
يسوع
يرسل الاثنى عشر
9
ثُمَّ
جَمَعَ يَسُوعُ الاِثْنَيْ عَشَرَ، وَمَنَحَهُمْ قُدْرَ ةً وَسُلْطَةً
عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَعَلَى الأَمْرَاضِ لِشِفَائِهَا،
2وَأَرْسَلَهُمْ لِيُبَشِّرُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا. 3وَقَالَ
لَهُمْ: «لاَ تَحْمِلُوا لِلطَّرِيقِ شَيْئاً: لاَ عَصاً، وَلاَ زَاداً،
وَلاَ خُبْزاً، وَلاَ مَالاً، وَلاَ يَحْمِلِ الْوَاحِدُ ثَوْبَيْنِ.
4وَأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمْ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا وَمِنْ هُنَاكَ ارْحَلُوا.
5وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَقْبَلُكُمْ فِي مَدِينَةٍ مَا، فَاخْرُجُوا
مِنْ هُنَاكَ، وَانْفُضُوا الْغُبَارَ عَنْ أَقْدَامِكُمْ، شَهَادَةً
عَلَيْهِمْ». 6فَانْطَلَقُوا يَجْتَازُونَ فِي الْقُرَى وَهُمْ
يُبَشِّرُونَ وَيَشْفُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
حيرة
هيرودس
7وَسَمِعَ هِيرُودُسُ حَاكِمُ الرُّبْعِ بِكُلِّ مَا كَانَ يَجْرِي،
فَوَقَعَ فِي الْحَيْرَةِ، لأَنَّ بَعْضاً كَانُوا يَقُولُونَ: «إِنَّ
يُوحَنَّا قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ!» 8وَبَعْضاً يَقُولُونَ: «إِنَّ
إِيلِيَّا ظَهَرَ!» وَآخَرِينَ: «إِنَّ وَاحِداً مِنَ الأَنْبِيَاءِ
الْقُدَامَى قَامَ!» 9فَقَالَ هِيرُودُسُ: «يُوحَنَّا، أَنَا قَطَعْتُ
رَأْسَهُ، وَلكِنْ مَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْهُ مِثْلَ هَذِهِ
الأُمُورِ؟» وَكَانَ يَرْغَبُ فِي أَنْ يَرَاهُ.
10وَبَعْدَمَا رَجَعَ الرُّسُلُ، أَخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوا،
فَأَخَذَهُمْ وَذَهَبَ بِهِمْ عَلَى انْفِرَادٍ إِلَى مَدِينَةٍ اسْمُهَا
بَيْتُ صَيْدَا. 11وَلكِنَّ الْجُمُوعَ عَلِمُوا بِذَلِكَ فَلَحِقُوا بِهِ،
فَاسْتَقْبَلَهُمْ وَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ، وَشَفَى مِنْهُمْ
مَنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الشِّفَاءِ. 12وَلَمَّا كَادَ النَّهَارُ
يَنْقَضِي، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الاثْنَا عَشَرَ وَقَالُوا لَهُ: «اصْرِفِ
الْجَمْعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ، وَإِلَى
الْمَزَارِعِ، فَيَبِيتُوا هُنَاكَ وَيَجِدُوا طَعَاماً، لأَنَّنَا هُنَا
فِي مَكَانٍ مُقْفِرٍ!» 13فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ
لِيَأْكُلُوا!» أَجَابُوا: «لَيْسَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ
أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ، إِلاَّ إِذَا ذَهَبْنَا وَاشْتَرَيْنَا
طَعَاماً لِهَذَا الشَّعْبِ كُلِّهِ». 14فَقَدْ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ
آلاَفِ رَجُلٍ. ثُمَّ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «أَجْلِسُوهُمْ فِي جَمَاعَاتٍ
تَتَأَلَّفُ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ خَمْسِينَ». 15فَفَعَلُوا، وَأَجْلَسُوا
الْجَمِيعَ. 16فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ،
وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، ثُمَّ بَارَكَهَا وَكَسَّرَهَا
وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ لِيُقَدِّمُوا إِلَى الْجَمْعِ. 17فَأَكَلَ
الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رُفِعَ مِنَ الْكِسَرِ الْفَاضِلَةِ عَنْهُمُ
اثْنَتَا عَشْرَةَ قُفَّةً.
18
وَفِيمَا كَانَ
يُصَلِّي عَلَى انْفِرَادٍ وَالتَّلاَمِيذُ مَعَهُ، سأَلَهُمْ: «مَنْ
يَقُولُ الْجُمُوعُ إِنِّي أَنَا؟» 19فَأَجَابُوهُ: «يَقُولُ بَعْضُهُمْ
إِنَّكَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِنَّكَ إِيِليَّا،
وَآخَرُونَ إِنَّكَ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْقُدَامَى وَقَدْ قَامَ!»
20فَسَأَلَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَهُ
بُطْرُسُ: «أَنْتَ مَسِيحُ اللهِ!» 21وَلكِنَّهُ حَذَّرَهُمْ، مُوْصِياً
أَلاَّ يُخْبِرُوا أَحَداً بِذَلِكَ.
22وَقَالَ: «لاَبُدَّ أَنْ يَتَأَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ كَثِيراً
وَيَرْفُضَهُ الشُّيُوخُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ،
وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يُقَامَ».
23ثُمَّ قَالَ لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَسِيرَ وَرَائِي،
فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبهُ كُلَّ يَوْمِ وَيَتْبَعْنِي.
24فَأَيُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ، يَخْسَرُهَا؛ وَلكِنَّ
مَنْ يَخْسَرُ نَفْسَهُ مَنْ أَجْلِي، فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. 25فَمَاذَا
يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ
أَوْ أَهْلَكَهَا؟ 26فَإِنَّ
مَنْ يَسْتَحِي بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهِ يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ
لَدَى عَوْدَتِهِ فِي مَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ
الْمُقَدَّسِينَ. 27وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ بِحَقٍّ إِنَّ بَيْنَ
الْوَاقِفِينَ هُنَا بَعْضاً لَنْ يَذُوقُوا الْمَوْتَ حَتَّى يَكُونُوا
قَدْ رَأَوْا مَلَكوتَ اللهِ
... »
28وَحَدَثَ بَعْدَ هَذَا الْكَلاَمِ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ تَقْرِيباً
أَنْ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ، وَصَعِدَ إِلَى
جَبَلٍ لِيُصَلِّيَ. 29وَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي، تَجَلَّتْ هَيْئَةُ
وَجْهِهِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ لَمَّاعَةً. 30وَإِذَا رَجُلاَنِ
يَتَحَدَّثَانِ مَعَهُ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا، 31وَقَدْ ظَهَرَا
بِمَجْدٍ وَتَكَلَّمَا عَنْ رَحِيلِهِ الَّذِي كَانَ عَلَى وَشْكِ
إِتْمَامِهِ فِي أُورُشَلِيمَ. 32وَمَعَ أَنَّ بُطْرُسَ وَرَفِيقَيْهِ قَدْ
غَالَبَهُمُ النَّوْمُ، فَإِنَّهُمْ حِينَ اسْتَيْقَظُوا تَمَاماً،
شَاهَدُوا مَجْدَهُ وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. 33وَفِيمَا
كَانَا يُفَارِقَانِهِ، قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: «يَامُعَلِّمُ، مَا
أَحْسَنَ أَنْ نَبْقَى هُنَا! فَلْنَنْصُبْ ثَلاَثَ خِيَامٍ: وَاحِدَةً
لَكَ، وَوَاحِدَةً لِمُوسَى، وَوَاحِدَةً لإِيلِيَّا...» وَهُوَ لاَ
يَدْرِي مَا يَقُولُ. 34وَلكِنَّهُ فِيمَا كَانَ يَقُولُ ذلِكَ، جَاءَتْ
سَحَابَةٌ فَخَيَّمَتْ عَلَيْهِمْ، فَخَافُوا عِنْدَمَا طَوَّقَتْهُمُ
السَّحَابَةُ، 35وَانْطَلَقَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ يَقُولُ: «هَذَا
هُوَ ابْنِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ. لَهُ اسْمَعُوا!» 36وَفِيمَا انْطَلَقَ
الصَّوْتُ، وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ. وَقَدْ كَتَمُوا الْخَبَرَ فَلَمْ
يُخْبِرُوا أَحَداً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِأَيِّ شَيْءٍ مِمَّا رَأَوْهُ.
يسوع يشفي صبيّاً فيه شيطان
37وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، لَمَّا نَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ، لاَقَاهُ
جَمْعٌ عَظِيمٌ. 38وَإِذَا فِي الْجَمْعِ رَجُلٌ نَادَى قَائِلاً:
«يَامُعَلِّمُ، أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى ابْنِي،
فَإِنَّهُ وَلَدِي الْوَحِيدُ. 39وَهَا إِنَّ رُوحاً يَتَمَلَّكُهُ،
فَيَصْرُخُ فَجْأَةً، وَيَخْبِطُهُ الرُّوحُ فَيُزْبِدُ، وَبِالْجَهْدِ
يُفَارِقُهُ بَعْدَ أَنْ يُرَضِّضَهُ. 40وَقَدِ الْتَمَسْتُ مِنْ
تَلاَمِيذِكَ أَنْ يَطْرُدُوهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا». 41فَأَجَابَ يَسُوعُ
قَائِلاً: «أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنْحَرِفُ! إِلَى
مَتَى أَبْقَى مَعَكُمْ وَأَحْتَمِلُكُمْ؟» (وَقَالَ لِلرَّجُلِ):
«أَحْضِرِ ابْنَكَ إِلَى هُنَا!» 42وَفِيمَا الْوَلَدُ آتٍ، صَرَعَهُ
الشَّيْطَانُ وَخَبَطَهُ بِعُنْفٍ.
فَزَجَرَ يَسُوعُ
الرُّوحَ النَّجِسَ، وَشَفَى الْوَلَدَ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَبِيهِ.
43فَذُهِلَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كُلِّ مَا عَمِلَهُ
يَسُوعُ، قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: 44«لِتَدْخُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ
آذَانَكُمْ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَى
أَيْدِي النَّاسِ!» 45إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا هَذَا الْقَوْلَ،
وَقَدْ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَخَافُوا أَنْ
يَسْأَلُوهُ عَنْهُ.
46وَحَدَثَ بَيْنَهُمْ جِدَالٌ فِي مَنْ هُوَ الأَعْظَمُ فِيهِمْ. 47فَإِذْ
عَلِمَ يَسُوعُ نِيَّاتِ قُلُوبِهِمْ، أَخَذَ وَلَداً صَغِيراً
وَأَوْقَفَهُ بِجَانِبِهِ، 48وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّ مَنْ قَبِلَ بِاسْمِي
هَذَا الْوَلَدَ الصَّغِيرَ، فَقَدْ قَبِلَنِي؛ وَمَنْ قَبِلَنِي، يَقْبَلُ
الَّذِي أَرْسَلَنِي. فَإِنَّ مَنْ كَانَ الأَصْغَرَ بَيْنَكُمْ جَمِيعاً،
فَهُوَ الْعَظِيمُ».
49وَتَكَلَّمَ يُوحَنَّا فَقَالَ: «يَاسَيِّدُ، رَأَيْنَا وَاحِداً
يَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لاَ يَتْبَعُكَ
مَعَنَا». 50فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ تَمْنَعُوهُ: لأَنَّ مَنْ لَيْسَ
ضِدَّكُمْ، فَهُوَ مَعَكُمْ!
»
51وَلَمَّا تَمَّتِ الأَيَّامُ ِلارْتِفَاعِهِ، صَمَّمَ بِعَزْمٍ عَلَى
الْمُضِيِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 52فَأَرْسَلَ قُدَّامَهُ بَعْضَ الرُّسُلِ.
فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ، لِيُعِدُّوا لَهُ
(مَنْزِلاً فِيهَا). 53وَلكِنَّهُمْ رَفَضُوا اسْتِقْبَالَهُ لأَنَّهُ
كَانَ مُتَّجِهاً صَوْبَ أُورُشَلِيمَ. 54فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ
تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَارَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ
نَأْمُرَ بِأَنْ تَنْزِلَ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ وَتَلْتَهِمَهُمْ؟»
55فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا وَوَبَّخَهُمَا قَائِلاً: «لاَ تَعْلَمَانِ مَنْ
أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا، 56لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَتَى لاَ لِيُهْلِكَ
نُفُوسَ الَّنَاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَهَا.» ثُمَّ ذَهَبُوا إِلَى قَرْيَةٍ
أُخْرَى.
57وَبَيْنَمَا كَانُوا سَائِرِينَ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَحَدُ
النَّاسِ: «يَاسَيِّدُ، سَأَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَذْهَبُ!» 58فَقَالَ لَهُ
يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجَارٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ؛
وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يُسْنِدُ إِلَيْهِ
رَأْسَهُ». 59وَقَالَ لِغَيْرِهِ: «اتْبَعْنِي!» وَلكِنَّ هَذَا قَالَ:
«يَاسَيِّدُ، اسْمَحْ لِي أَنْ أَذْهَبَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي!»
60فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ،
وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَبَشِّرْ بِمَلَكُوتِ اللهِ». 61وَقَالَ لَهُ
آخَرُ: «يَاسَيِّدُ، سَأَتْبَعُكَ، وَلكِنِ اسْمَحْ لِي أَوَّلاً أَنْ
أُوَدِّعَ أَهْلَ بَيْتِي!» 62فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَا مِنْ أَحَدٍ
يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَلْتَفِتُ إِلَى الْوَرَاءِ، يَصْلُحُ
لِمَلَكُوتِ اللهِ».
10
وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ أَيْضاً اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ آخَرِينَ،
وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، لِيَسْبِقُوهُ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ
وَمَكَانٍ كَانَ عَلَى وَشْكِ الذَّهَابِ إِلَيْهِ. 2وَقَالَ لَهُمْ:
«إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْعُمَّالَ قَلِيلُونَ،
فَتَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يَبْعَثَ عُمَّالاً إِلَى
حَصَادِهِ. 3فَاذْهَبُوا! هَا إِنِّي أُرْسِلُكُمْ كَحُمْلاَنٍ بَيْنَ
ذِئَابٍ. 4لاَ تَحْمِلُوا صُرَّةَ مَالٍ وَلاَ كِيسَ زَادٍ وَلاَ حِذَاءً؛
وَلاَ تُسَلِّمُوا فِي الطَّرِيقِ عَلَى أَحَدٍ. 5وَأَيَّ بَيْتٍ
دَخَلْتُمْ، فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ! 6فَإِنْ كَانَ
فِي الْبَيْتِ ابْنُ سَلاَمٍ، يَحِلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ. وَإِلاَّ،
فَسَلاَمُكُمْ يَعُودُ لَكُمْ. 7وَانْزِلُوا فِي ذلِكَ الْبَيْتِ
تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مِمَّا عِنْدَهُمْ: لأَنَّ الْعَامِلَ
يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ. لاَ تَنْتَقِلُوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ.
8وَأَيَّةَ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمْ وَقَبِلَكُمْ أَهْلُهَا، فَكُلُوا مِمَّا
يُقَدَّمُ لَكُمْ، 9وَاشْفُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا، وَقُولُوا
لَهُمْ: قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ! 10وَأَيَّةَ مَدِينَةٍ
دَخَلْتُمْ وَلَمْ يَقْبَلْكُمْ أَهْلُهَا، فَاخْرُجُوا إِلَى
شَوَارِعِهَا، وَقُولُوا: 11حَتَّى غُبَارُ مَدِينَتِكُمُ الْعَالِقُ
بِأَقْدَامِنَا نَنْفُضُهُ عَلَيْكُمْ، وَلكِنِ اعْلَمُوا هَذَا: أَنَّ
مَلَكُوتَ اللهِ قَدِ اقْتَرَبَ! 12أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ سَدُومَ
سَتَكُونُ حَالَتُهَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَخَفَّ وَطْأَةً مِنْ حَالَةِ
تِلْكَ الْمَدِينَةِ...
13الْوَيْلُ لَكِ يَاكُورَزِينُ! الْوَيْلُ لَكِ يَابَيْتَ صَيْدَا! فَلَوْ
أُجْرِيَ فِي صُورَ وَصَيْدَا مَا أُجْرِيَ فِيكُمَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ،
لَتَابَ أَهْلُهُمَا مُنْذُ الْقَدِيمِ مَتَّشِحِينَ بِالْمُسُوحِ
قَاعِدِينَ فِي الرَّمَادِ. 14وَلكِنَّ صُورَ وَصَيْدَا سَتَكُونُ
حَالَتُهُمَا فِي الدَّيْنُونَةِ أَخَفَّ وَطْأَةً مِنْ حَالَتِكُمَا.
15وَأَنْتِ يَاكَفْرَنَاحُومُ، هَلِ ارْتَفَعْتِ حَتَّى السَّمَاءِ؟
إِنَّكِ إِلَى قَعْرِ الْهَاوِيَةِ سَتُهْبَطِينَ! 16مَنْ يَسْمَعْ لَكُمْ
يَسْمَعْ لِي، وَمَنْ يَرْفُضْكُمْ يَرْفُضْنِي؛ وَمَنْ يَرْفُضْنِي
يَرْفُضِ الَّذِي أَرْسَلَنِي!
»
17وَبَعْدَئِذٍ رَجَعَ الاثْنَانِ وَالسَّبْعُونَ فَرِحِينَ، وَقَالُوا:
«يَارَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!» 18فَقَالَ
لَهُمْ: «قَدْ رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ وَهُوَ يَهْوِي مِنَ السَّمَاءِ
مِثْلَ الْبَرْقِ. 19وَهَا أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ سُلْطَةً لِتَدُوسُوا
الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَقُدْرَةَ الْعَدُوِّ كُلَّهَا، وَلَنْ
يُؤْذِيَكُمْ شَيْءٌ أَبَداً.
20إِنَّمَا لاَ
تَفْرَحُوا بِهَذَا: بِأَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا
بِأَنَّ أَسْمَاءَكُمْ قَدْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ».
21فِي
تِلْكَ السَّاعَةِ ابْتَهَجَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ
أَيُّهَا الآبُ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ حَجَبْتَ هَذِهِ
الأُمُورَ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ، وَكَشَفْتَهَا لِلأَطْفَالِ.
نَعَمْ، أَيُّهَا الآبُ، لأَنَّهُ هَكَذَا حَسُنَ فِي نَظَرِكَ! 22كُلُّ
شَيْءٍ قَدْ سُلِّمَ إِلَيَّ مِنْ قِبَلِ أَبِي، وَلاَ أَحَدَ يَعْرِفُ
مَنْ هُوَ الاِبْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الاِبْنُ
وَمَنْ أَرَادَ الاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَهُ لَهُ!» 23ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى
التَّلاَمِيذِ وَقَالَ لَهُمْ عَلَى حِدَةٍ: «طُوبَى لِلْعُيُونِ الَّتِي
تَرَى مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ. 24فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كَثِيرِينَ
مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ تَمَنَّوْا أَنْ يَرَوْا مَا تُبْصِرُونَ
وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا تَسْمَعُونَ
وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا».
25وَتَصَدَّى لَهُ أَحَدُ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ لِيُجَرِّبَهُ، فَقَالَ:
«يَامُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟»
26فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا كُتِبَ فِي الشَّرِيعَةِ؟ وَكَيْفَ تَقْرَأُهَا؟»
27فَأَجَابَ: «أَحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَكُلِّ نَفْسِكَ
وَكُلِّ قُدْرَتِكَ وَكُلِّ فِكْرِكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».
28فَقَالَ لَهُ: «جَوَابُكَ صَحِيحٌ. فَإِنْ عَمِلْتَ بِهَذَا، تَحْيَا!»
29لكِنَّهُ إِذْ كَانَ رَاغِباً فِي تَبْرِيرِ نَفْسِهِ، سَأَلَ يَسُوعَ:
«وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟» 30فَرَدَّ
عَلَيْهِ يَسُوعُ
قَائِلا:
«كَانَ
إِنْسَانٌ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا، فَوَقَعَ بِأَيْدِي
لُصُوصٍ، فَانْتَزَعُوا ثِيَابَهُ وَمَالَهُ وَجَرَّحُوهُ، ثُمَّ مَضَوْا
وَقَدْ تَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. 31وَحَدَثَ أَنَّ كَاهِناً كَانَ
نَازِلاً فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَرَآهُ وَلكِنَّهُ جَاوَزَهُ إِلَى
الْجَانِبِ الآخَرِ. 32وَكَذلِكَ مَرَّ أَيْضاً وَاحِدٌ مِنَ
اللاَّوِيِّينَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذلِكَ الْمَكَانِ، نَظَرَ إِلَيْهِ،
وَلكِنَّهُ جَاوَزَهُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ. 33إِلاَّ أَنَّ
سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا رَآهُ، أَخَذَتْهُ
الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ، 34فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَرَبَطَ جِرَاحَهُ
بَعْدَمَا صَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً. ثُمَّ أَرْكَبَهُ عَلَى
دَابَّتِهِ وَأَوْصَلَهُ إِلَى الْخَانِ وَاعْتَنَى بِهِ. 35وَعِنْدَ
مُغَادَرَتِهِ الْخَانَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ
وَدَفَعَهُمَا إِلَى صَاحِبِ الْخَانِ، وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ!
وَمَهْمَا تُنْفِقْ أَكْثَرَ، فَإِنِّي أَفِيكَ ذلِكَ عِنْدَ رُجُوعِي.
36فَأَيُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ يَبْدُو لَكَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ
بِأَيْدِي اللُّصُوصِ؟» 37فَأَجَابَ: «إِنَّهُ الَّذِي عَامَلَهُ
بِالرَّحْمَةِ!» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ، وَاعْمَلْ أَنْتَ هَكَذَا!
»
38وَبَيْنَمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ، دَخَلَ إِحْدَى الْقُرَ ى،
فَاسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا. 39وَكَانَ
لَهَا أُخْتٌ اسْمُهَا مَرْيَمُ، جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ
تَسْمَعُ كَلِمَتَهُ. 40أَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُنْهَمِكَةً بِشُؤُونِ
الْخِدْمَةِ الْكَثِيرَةِ. فَأَقْبَلَتْ وَقَالَتْ: «يَارَبُّ، أَمَا
تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدِمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا
أَنْ تُسَاعِدَنِي!» 41وَلكِنَّ يَسُوعَ رَدَّ عَلَيْهَا قَائِلاً:
«مَرْثَا، مَرْثَا! أَنْتِ مُهْتَمَّةٌ وَقَلِقَةٌ لأُمُورٍ كَثِيرَةٍ.
42وَلكِنَّ الْحَاجَةَ هِيَ إِلَى وَاحِدٍ، وَمَرْيَمُ قَدِ اخْتَارَتِ
النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا!
»
الصلاة الرَّبانية
11
وَكَانَ يُصَلِّي فِي أَحَدِ الأَمَاكِنِ، فَلَمَّا انْتَهَى، قَالَ لَهُ
أَحَدُ تَلاَمِيذِهِ: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ
يُوحَنَّا تَلاَمِيذَهُ». 2فَقَالَ لَهُمْ: «عِنْدَمَا تُصَلُّونَ،
قُولُوا: أَبَانَا غالَّذِي فِي السَّمَاوَاتِف! لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ،
لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. غلِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ
عَلَى الأَرْضِف. 3خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ؛
4وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا، لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً نَغْفِرُ لِكُلِّ
مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا؛ وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا
مِنَ الشِّرِّيرِ! »
5ثُمَّ
قَالَ لَهُمْ: «مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ صَدِيقٌ، فَيَذْهَبُ إِلَيْهِ
فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ وَيَقُولُ لَهُ: يَاصَدِيقِي، أَقْرِضْنِي
ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ، 6فَقَدْ جَاءَنِي صَدِيقٌ مِنْ سَفَرٍ، وَلَيْسَ
عِنْدِي مَا أُقَدِّمُ لَهُ! 7لكِنَّ صَدِيقَهُ يُجِيبُهُ مِنَ الدَّاخِلِ:
لاَ تُزْعِجْنِي! فَقَدْ أَقْفَلْتُ الْبَابَ، وَهَا أَنَا وَأَوْلاَدِي
فِي الْفِرَاشِ. لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ! 8أَقُولُ لَكُمْ:
إِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لأَنَّهُ صَدِيقُهُ، فَلاَبُدَّ أَنْ
يَقُومَ وَيُعْطِيَهُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لأَنَّهُ أَلَحَّ فِي
الطَّلَبِ. 9فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: اطْلُبُوا، تُعْطَوْا؛ اسْعَوْا،
تَجِدُوا؛ اقْرَعُوا، يُفْتَحْ لَكُمْ: 10فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ
يَنَالُ، وَمَنْ يَسْعَى يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. 11فَأَيُّ
أَبٍ مِنْكُمْ يَطْلُبُ مِنْهُ ابْنُهُ خُبْزاً فَيُعْطِيهِ حَجَراً؟ أَوْ
يَطْلُبُ سَمَكَةً فَيُعْطِيهِ بَدَلَ السَّمَكَةِ حَيَّةً؟ 12أَوْ
يَطْلُبُ بَيْضَةً، فَيُعْطِيهِ عَقْرَباً؟ 13فَإِنْ كُنْتُمْ، أَنْتُمُ
الأَشْرَارُ، تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً،
فَكَمْ بِالأَحْرَى الآبُ، الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ يَهَبُ الرُّوحَ
الْقُدُسَ لِمَنْ يَسْأَلُونَهُ؟ »
يسوع
وبعلزبول
14وَكَانَ يَطْرُدُ شَيْطَاناً (مِن رَجُلٍ) كَانَ ذلِكَ الشَّيْطَانُ قَدْ
أَخْرَسَهُ. فَلَمَّا طُرِدَ الشَّيْطَانُ، نَطَقَ الأَخْرَسُ.
فَتَعَجَّبَتِ الجُمُوعُ. 15وَلكِنَّ بَعْضاً مِنْهُمْ قَالُوا: «إِنَّمَا
يَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ».
16وَطَلَبَ مِنْهُ آخَرُونَ، لِيُجَرِّبُوهُ، آيَةً مِنَ السَّمَاءِ.
17وَلكِنَّهُ عَلِمَ أَفْكَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُّ مَمْلَكَةٍ
تَنْقَسِمُ عَلَى
ذَاتِهَا تَخْرَبُ، وَكُلُّ بَيْتٍ (يَنْقَسِمُ) عَلَى بَيْتٍ يَسْقُطُ.
18فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ كَذلِكَ قَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ،
فَكَيْفَ تَصْمُدُ مَمْلَكَتُهُ؟ فَقَدْ قُلْتُمْ إِنِّي أَطْرُدُ
الشَّيَاطِينَ بِبَعْلَزَبُولَ. 19وَلكِنْ، إِنْ كُنْتُ أَنَا أَطْرُدُ
الشَّيَاطِينَ بِبَعْلَزَبُولَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يَطْرُدُونَهُمْ؟
لِذلِكَ هُمْ يَحْكُمُونَ عَلَيْكُمْ. 20أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَطْرُدُ
الشَّيَاطِينَ بِإِصْبَعِ اللهِ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ
اللهِ. 21عِنْدَمَا يَحْرُسُ الْقَوِيُّ بَيْتَهُ وَهُوَ بِكَامِلِ
سِلاَحِهِ، تَكُونُ أَمْتِعَتُهُ فِي مَأْمَنٍ. 22وَلكِنْ عِنْدَمَا
يَغْزُوهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَيَغْلِبُهُ، فَإِنَّهُ يُجَرِّدُهُ
مِنْ كَامِلِ سِلاَحِهِ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُوَزِّعُ
غَنَائِمَهُ. 23مَنْ لَيْسَ مَعِي، فَهُوَ ضِدِّي؛ وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ
مَعِي، فَهُوَ يُفَرِّقُ.
عودة
الروح النجس
24بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ، يَهِيمُ فِي
الأَمَاكِنِ الْقَاحِلَةِ طَلَباً لِلرَّاحَةِ، وَإِذْ لاَ يَجِدُ،
يَقُولُ: سَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي الَّذِي غَادَرْتُهُ! 25وَعِنْدَمَا
يَأْتِي، يَجِدُهُ مَكْنُوساً مُزَيَّناً. 26فَيَذْهَبُ وَيَصْطَحِبُ
سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَرْدَأَ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ ذلِكَ الإِنْسَانَ
وَتَسْكُنُهُ، فَتَصِيرُ الْحَالَةُ الأَخِيرَةُ لِذلِكَ الإِنْسَانِ
أَرْدَأَ مِنَ الأُولَى!
»
27وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا، رَفَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْنِ
الْجَمْعِ صَوْتَهَا قَائِلَةً لَهُ: «طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ،
وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا!» 28إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ:
«بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا».
الجموع
يطلبون آية
29وَإِذْ كَانَتِ الْجُمُوعُ تَزْدَحِمُ عَلَيْهِ، أَخَذَ يَقُولُ: «هَذَا
الْجِيلُ جِيلٌ شِرِّيرٌ، يَطْلُبُ آيَةً وَلَنْ يُعْطَى آيَةً إِلاَّ
آيَةَ يُونَانَ. 30فَإِنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى،
فَهَكَذَا أَيْضاً يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ لِهَذَا الْجِيلِ. 31إِنَّ
مَلِكَةَ الْجَنُوبِ سَتَقُومُ فِي الدَّيْنُونَةِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ
وَتَدِينُهُ لأَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ
سُلَيْمَانَ. وَهَا هُنَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ! 32وَأَهْلُ نِينَوَى
سَيَقِفُونَ فِي الدَّيْنُونَةِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ:
لأَنَّهُمْ تَابُوا لَدَى وَعْظِ يُونَانَ لَهُمْ. وَهَا هُنَا أَعْظَمُ
مِنْ يُونَانَ.
العين
مصباحُ الجسد
33وَلكِنْ، لاَ أَحَدَ يُشْعِلُ مِصْبَاحاً وَيَضَعُهُ فِي مَكَانٍ
مَخْفِيٍّ أَوْ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ يَرْفَعُهُ عَلَى الْمَنَارَةِ
لِيَرَى الدَّاخِلُونَ النُّورَ. 34عَيْنُكَ هِيَ مِصْبَاحُ الْجَسَدِ:
فَعِنْدَمَا تَكُونُ عَيْنُكَ سَلِيمَةً، يَكُونُ جَسَدُكَ كُلُّهُ
مُنَوَّراً؛ أَمَّا عِنْدَمَا تَكُونُ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً، فَيَكُونُ
جَسَدُكَ أَيْضاً مُظْلِماً. 35فَتَنَبَّهْ إِذَنْ لِئَلاَّ يَكُونَ
النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً. 36إِذَنْ، إِنْ كَانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ
مُنَوَّراً وَلَيْسَ فِيهِ جَانِبٌ مُظْلِمٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُنَوَّراً
بِكَامِلِهِ، كَأَنَّمَا أَنَارَ لَكَ الْمِصْبَاحُ بِإِشْعَاعِهِ!
»
يسوع يوبخ الفريسيين ومعلمي الشريعة
37وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، طَلَبَ إِلَيْهِ أَحَدُ الْفَرِّيسِيِّينَ
أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ. فَدَخَلَ (بَيْتَهُ) وَاتَّكَأَ. 38وَلكِنَّ
الْفَرِّيسِيَّ تَعَجَّبَ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ
الْغَدَاءِ. 39فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «أَنْتُمُ الْفَرِّيسِيِّينَ
تُنَظِّفُونَ الْكَأْسَ وَالصَّحْفَةَ مِنَ الْخَارِجِ، وَلكِنَّكُمْ مِنَ
الدَّاخِلِ مَمْلُوؤُونَ نَهْباً وَخُبْثاً. 40أَيُّهَا الأَغْبِيَاءُ،
أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ قَدْ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضاً؟
41أَحْرَى بِكُمْ أَنْ تَتَصَدَّقُوا بِمَا عِنْدَكُمْ، فَإِذَا كُلُّ
شَيْءٍ يَكُونُ طَاهِراً لَكُمْ. 42وَلكِنِ الْوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا
الْفَرِّيسِيُّونَ فَإِنَّكُمْ تَدْفَعُونَ عُشْرَ النَّعْنَعِ
وَالسَّذَّابِ وَالْبُقُولِ الأُخْرَى، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْعَدْلِ
وَمَحَبَّةِ اللهِ: كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْمَلُوا هَذَا وَلاَ تُهْمِلُوا
ذَاكَ! 43الْوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ، فَإِنَّكُمْ
تُحِبُّونَ تَصَدُّرَ الْمَقَاعِدِ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ وَتَلَقِّي
التَّحِيَّاتِ فِي السَّاحَاتِ الْعَامَّةِ! 44الْوَيْلُ لَكُمْ،
فَإِنَّكُمْ تُشْبِهُونَ الْقُبُورَ الْمَخْفِيَّةَ، يَمْشِي النَّاسُ
عَلَيْهَا وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ!»
45وَتَكَلَّمَ أَحَدُ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، قَائِلاً لَهُ:
«يَامُعَلِّمُ، إِنَّكَ بِقَوْلِكَ هَذَا تُهِينُنَا نَحْنُ أَيْضاً».
46فَقَالَ: «وَالْوَيْلُ أَيْضاً لَكُمْ يَاعُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ،
فَإِنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً مُرْهِقَةً،
وَأَنْتُمْ لاَ
تَمَسُّونَهَا بِإِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِكُمْ! 47الْوَيْلُ لَكُمْ،
فَإِنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ.
48فَأَنْتُمْ إِذَنْ تَشْهَدُونَ مُوَافِقِينَ عَلَى أَعْمَالِ آبَائِكُمْ:
فَهُمْ قَتَلُوا الأَنْبِيَاءَ، وَأَنْتُمْ تَبْنُونَ قُبُورَهُمْ.
49لِهَذَا السَّبَبِ أَيْضاً قَالَتْ حِكْمَةُ اللهِ: سَأُرْسِلُ
إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَ وَرُسُلاً، فَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ
وَيَضْطَهِدُونَ، 50حَتَّى إِنَّ دِمَاءَ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ
الْمَسْفُوكَةَ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، يُطَالَبُ بِهَا هَذَا
الْجِيلُ، 51مِنْ دَمِ هَابِيلَ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا الَّذِي قُتِلَ
بَيْنَ الْمَذْبَحِ وَالْقُدْسِ! أَقُولُ لَكُمْ: نَعَمْ، إِنَّ تِلْكَ
الدِّمَاءَ يُطَالَبُ بِهَا هَذَا الْجِيلُ. 52الْوَيْلُ لَكُمْ
يَاعُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّكُمْ خَطِفْتُمْ مِفْتَاحَ
الْمَعْرِفَةِ، فَلاَ أَنْتُمْ دَخَلْتُمْ وَلاَ تَرَكْتُمُ الدَّاخِلِينَ
يَدْخُلُونَ!
»
53وَفيِمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ هُنَاكَ، بَدَأَ الْكَتَبَةُ
وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُضَيِّقُونَ عَلَيْهِ كَثِيراً، وَأَخَذُوا
يَسْتَدْرِجُونَهُ إِلَى الْكَلاَمِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، 54وَهُمْ
يُرَاقِبُونَهُ سَعْياً إِلَى اصْطِيَادِهِ بِكَلاَمٍ يَقُولُهُ.
الصدق وعدم الرياء
12
وَفِي
تِلْكَ الأَثْنَاءِ، إِذِ احْتَشَدَ عَشَرَاتُ الأُلُوفِ مِنَ الشَّعْبِ
حَتَّى دَاسَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، أَخَذَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ أَوَّلاً:
«احْذَرُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ
الرِّيَا ءُ! 2فَمَا مِنْ مَسْتُورٍ لَنْ يُكْشَفَ، وَلاَ مِنْ سِرٍّ لَنْ
يُعْرَفَ. 3لِذَلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظَّلاَمِ سَوْفَ يُسْمَعُ
فِي النُّورِ، وَمَا تَحَدَّثْتُمْ بِهِ هَمْساً فِي الْغُرَفِ
الدَّاخِلِيَّةِ سَوْفَ يُذَاعُ عَلَى سُطُوحِ الْبُيُوتِ.
4عَلَى
أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ يَاأَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ
يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ ثُمَّ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْعَلُوا أَكْثَرَ
مِنْ ذلِكَ. 5وَلكِنِّي أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ
الْقَادِرِ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ بَعْدَ الْقَتْلِ. نَعَمْ، أَقُولُ
لَكُمْ، مِنْ هَذَا خَافُوا! 6أَمَا تُبَاعُ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ
بِفَلْسَيْنِ؟ وَمَعَ ذلِكَ لاَ يَنْسَى اللهُ وَاحِداً مِنْهَا. 7بَلْ
إِنَّ شَعْرَ رُؤُوسِكُمْ كُلَّهُ مَعْدُودٌ. فَلاَ تَخَافُوا إِذَنْ،
أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ! 8«وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ:
كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي أَمَامَ النَّاسِ، يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ
الإِنْسَانِ أَيْضاً أَمَامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ.
9وَمَنْ أَنْكَرَنِي أَمَامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ أَمَامَ مَلاَئِكَةِ
اللهِ. 10وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً بِحَقِّ ابْنِ الإِنْسَانِ، يُغْفَرُ لَهُ.
وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ!
11وَعِنْدَمَا يُؤْتَى بِكُمْ لِلْمُثُولِ أَمَامَ الْمَجَامِعِ
وَالْحُكَّامِ وَالسُّلْطَاتِ، فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَاذَا
تَرُدُّونَ، وَلاَ بِمَا تَقُولُونَ! 12فَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ
سَيُلَقِّنُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عَيْنِهَا مَا يَجِبُ أَنْ
تَقُولُوا».
مَثل الغني الغبي
13وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ: «يَامُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي
أَنْ يُقَاسِمَنِي الإِرْثَ!» 14وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: «يَاإِنْسَانُ،
مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِياً أَوْ مُقَسِّماً؟» 15وَقَالَ
لِلْجَمْعِ: «احْذَرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ. فَمَتَى كَانَ
الإِنْسَانُ فِي سَعَةٍ، لاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ فِي أَمْوَالِهِ».
16وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً، قَالَ «إِنْسَانٌ غَنِيٌّ غَلَّتْ لَهُ
أَرْضُهُ مَحَاصِيلَ وَافِرَةً. 17فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا
أَعْمَلُ وَلَيْسَ عِنْدِي مَكَانٌ أَخْزِنُ فِيهِ مَحَاصِيلِي؟ 18وَقَالَ:
أَعْمَلُ هَذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ مِنْهَا،
وَهُنَاكَ أَخْزِنُ جَمِيعَ غِلاَلِي وَخَيْرَاتِي. 19وَأَقُولُ لِنَفْسِي:
يَانَفْسُ، عِنْدَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَخْزُونَةٌ لِسِنِينَ عَدِيدَةٍ،
فَاسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَاطْرَ بِي! 20وَلكِنَّ اللهَ قَالَ
لَهُ: يَاغَبِيُّ، هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَلِمَنْ
يَبْقَى مَا أَعْدَدْتَهُ؟ 21هَذِهِ هِيَ حَالَةُ مَنْ يَخْزِنُ الْكُنُوزَ
لِنَفْسِهِ وَلاَ يَكُونُ غَنِيّاً عِنْدَ اللهِ!»
الله يعتني بنا
22ثُمَّ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «لِهَذَا السَّبَبِ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ
تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا
تَكْتَسُونَ. 23إِنَّ الْحَيَاةَ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ طَعَامٍ،
وَالْجَسَدَ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ كِسَاءٍ. 24تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ!
فَهِيَ لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ، وَلَيْسَ عِنْدَهَا مَخْزَنٌ وَلاَ
مُسْتَوْدَعٌ، بَلْ يَعُولُهَا اللهُ. فَكَمْ أَنْتُمْ أَفْضَلُ كَثِيراً
مِنَ الطُّيُورِ. 25وَلكِنْ، أَيٌّ مِنْكُمْ، إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ
يُطِيلَ عُمْرَهُ وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً؟ 26فَمَا دُمْتُمْ غَيْرَ
قَادِرِينَ وَلَوْ عَلَى أَصْغَرِ الأُمُورِ، فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ
بِالأُمُورِ الأُخْرَى؟ 27تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو! فَهِيَ
لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ، وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: حَتَّى
سُلَيْمَانُ فِي قِمَّةِ مَجْدِهِ لَمْ يَكْتَسِ مَا يُعَادِلُ وَاحِدَةً
مِنْهَا بَهَاءً؟ 28فَإِنْ كَانَ اللهُ يَكْسُو الْعُشْبَ ثَوْباً كَهَذَا،
مَعَ أَنَّهُ يَكُونُ الْيَوْمَ فِي الْحَقْلِ وَغَداً يُطْرَحُ فِي
التَّنُّورِ، فَكَمْ أَنْتُمْ أَوْلَى مِنَ الْعُشْبِ (بِأَنْ يَكْسُوَكُمُ
اللهُ ) يَاقَلِيلِي الإِيمَانِ؟ 29فَعَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَلاَّ تَسْعَوْا
إِلَى مَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ، وَلاَ تَكُونُوا قَلِقِينَ.
30فَهَذِهِ الْحَاجَاتُ كُلُّهَا تَسْعَى إِلَيْهَا أُمَمُ الْعَالَمِ،
وَأَبُوكُمْ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا. 31إِنَّمَا
اسْعَوْا إِلَى مَلَكُوتِهِ، فَتُزَادُ لَكُمْ هَذِهِ كُلُّهَا.
32لاَ
تَخَافُوا، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ
أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. 33بِيعُوا مَا تَمْلِكُونَ وَأَعْطُوا
صَدَقَةً، وَاجْعَلُوا لَكُمْ أَكْيَاساً لاَ تَبْلَى، كَنْزاً فِي
السَّمَاوَاتِ لاَ يَنْفَدُ، حَيْثُ لاَ يَقْتَرِبُ لِصٌّ وَلاَ يُفْسِدُ
سُوسٌ. 34لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ، يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضاً.
35لِتَكُنْ أَوْسَاطُكُمْ مَشْدُودَةً بِالأَحْزِمَةِ وَمَصَابِيحُكُمْ
مُضَاءَةً، 36وَكُونُوا مِثْلَ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ رُجُوعَ سَيِّدِهِمْ
مِنْ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ وَقَرَعَ الْبَابَ
يَفْتَحُونَ لَهُ حَالاً. 37طُوبَى لأُولئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ
يَجِدُهُمْ سَيِّدُهُمْ لَدَى عَوْدَتِهِ سَاهِرِينَ. الْحَقَّ أَقُولُ
لَكُمْ: إِنَّهُ يَشُدُّ وَسَطَهُ بِالْحِزَامِ وَيَجْعَلُهُمْ
يَتَّكِئُونَ وَيَقُومُ يَخْدِمُهُمْ. 38فَطُوبَى لَهُمْ إِذَا رَجَعَ فِي
الرُّبْعِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ مِنَ اللَّيْلِ وَوَجَدَهُمْ عَلَى
تِلْكَ الْحَالِ. 39وَلَكِنِ اعْلَمُوا هَذَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَبُّ
الْبَيْتِ يَعْرِفُ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَدْهَمُهُ اللِّصُّ، لَكَانَ
سَهِرَ وَمَا تَرَكَ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. 40فَكُونُوا أَنْتُمْ
مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَيَعُودُ فِي سَاعَةٍ لاَ
تَتَوَقَّعُونَهَا».
مَثل الوكيل الأمين
41وَسَأَلَهُ بُطْرُسُ: «يَارَبُّ، أَلَنَا تَضْرِبُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ
لِلْجَمِيعِ عَلَى السَّوَاءِ؟» 42فَقَالَ الرَّبُّ: «مَنْ هُوَ إِذَنِ
الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْعَاقِلُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَهْلِ
بَيْتِهِ لِيُقَدِّمَ لَهُمْ حِصَّتَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ فِي حِينِهَا؟
43طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي يَجِدُهُ سَيِّدُهُ ، لَدَى رُجُوعِهِ
، يَقُومُ بِهَذَا الْعَمَلِ.
44الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ
مُمْتَلَكَاتِهِ. 45وَلكِنْ إِذَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ:
سَيِّدِي سَيَتَأخَّرُ فِي رُجُوعِهِ؛ وَأَخَذَ يَضْرِبُ الْخَادِمِينَ
وَالْخَادِمَاتِ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَرُ، 46فَإِنَّ سَيِّدَ
ذَلِكَ الْعَبْدِ يَرْجِعُ فِي يَوْمٍ لاَ يَتَوَقَّعُهُ وَسَاعَةٍ لاَ
يَعْرِفُهَا، فَيُمَزِّقُهُ وَيَجْعَلُ مَصِيرَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ.
47وَأَمَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْمَلُ بِإِرَادَةِ سَيِّدِهِ،
فَإِنَّهُ سَيُضْرَبُ كَثِيراً. 48وًلكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهَا
وَيَعْمَلُ مَا يَسْتَوْجِبُ الضَّرْبَ، فَإِنَّهُ سَيُضْرَبُ قَلِيلاً.
فَكَلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيراً، يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ؛ وَمَنْ أُوْدِعَ
كَثِيراً، يُطَالَبُ بِأَكْثَرَ.
49جِئْتُ لأُلْقِيَ عَلَى الأَرْضِ نَاراً، فَلَكَمْ أَوَدُّ أَنْ تَكُونَ
قَدِ اشْتَعَلَتْ؟ 50وَلكِنَّ لِي مَعْمُودِيَّةً عَلَيَّ أَنْ أَتَعَمَّدَ
بِهَا، وَكَمْ أَنَا مُتَضَايِقٌ حَتَّى تَتِمَّ! 51أَتَظُنَّونَ أَنِّي
جِئْتُ لأُرسِيَ السَّلاَمَ عَلَى الأرْضِ؟ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ، بَلْ
بِالأَحْرَى الانْقِسَامَ: 52فَإِنَّهُ مُنْذُ الآنَ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ
الْوَاحِدِ خَمْسَةٌ فَيَنْقَسِمُونَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ،
وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ، 53فَالآبُ يَنْقَسِمُ عَلَى ابْنِهِ،
وَالابْنُ عَلَى أَبِيهِ، وَالأُمُّ عَلَى بِنْتِهَا، وَالْبِنْتُ عَلَى
أُمِّهَا، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا!»
54وَقَالَ أَيْضاً لِلْجُمُوعِ: «عِنْدَمَا تَرَوْنَ سَحَابَةً تَطْلُعُ
مِنَ الْغَرْبِ، تَقُولُونَ حَالاً: الْمَطَرُ آتٍ! وَهَكَذَا يَكُونُ.
55وَعِنْدَمَا تَهُبُّ رِيحُ الْجَنُوبِ، تَقُولُونَ: سَيَكُونُ حَرٌّ!
وَهَكَذَا يَكُونُ. 56يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا
مَنْظَرَ الأَرْضِ وَالْسَّمَاءِ، قَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَ هَذَا
الزَّمَانَ؟ 57وَلِمَاذَا لاَ تُمَيِّزُونَ مَا هُوَ حَقٌّ مِنْ تِلْقَاءِ
أَنْفُسِكُمْ؟ 58فَفِيمَا أَنْتَ ذَاهِبٌ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى
الْمُحَاكَمَةِ، اجْتَهِدْ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَصَالَحَ مَعَهُ، لِئَلاَّ
يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي، فَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ،
وَيُلْقِيَكَ الشُّرَطِيُّ فِي السِّجْنِ. 59أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ
تَخْرُجَ مِنْ
هُنَاكَ أَبَداً
حَتَّى تَكُونَ قَدْ وَفَّيْتَ مَا عَلَيْكَ إِلَى آخِرِ فَلْسٍ!»
ضرورة التوبة
13
وَفِي
ذلِكَ الْوَقْتِ عَيْنِهِ، حَضَرَ بَعْضُهُمْ وَأَخْبَرُوهُ عَنْ أَهْلِ
الْجَليلِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ بِيلاَطُسُ فَخَلَطَ دِمَاءَهُمْ بِدِمَاءِ
ذَبَائِحِهِمْ. 2فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَائِلاً: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ
هَؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خَاطِئِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ
الْجَلِيلِ الْبَاقِينَ حَتَّى لاَقَوْا هَذَا الْمَصِيرَ؟ 3أَقُولُ
لَكُمْ: لاَ، وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا أَنْتُمْ فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ
تَهْلِكُونَ! 4أَمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ
سَقَطَ عَلَيْهِمِ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ فَقَتَلَهُمْ، كَانُوا
مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟
5أَقُولُ لَكُمْ: لاَ، وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا أَنْتُمْ فَجَمِيعُكُمْ
كَذلِكَ تَهْلِكُونَ!»
6ثُمَّ
ضَرَبَ هَذَا الْمَثَلَ: «كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ شَجَرَةُ تِينٍ
مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ. فَجَاءَهَا طَلَباً لِلثَّمَرِ، فَمَا وَجَدَ
شَيْئاً. 7فَقَالَ لِلْمُزَارِعِ: هَذِهِ ثَلاَثُ سِنِينَ وَأَنَا أَقْصِدُ
هَذِهِ التِّيِنَةَ طَلَباً لِلثَّمَرِ فَلاَ أَجِدُ شَيْئاً: اقْطَعْهَا،
لِمَاذَا نَتْرُكُهَا تُعَطِّلُ الأَرْضَ؟ 8وَلكِنَّ الْمُزَارِعَ
أَجَابَهُ قَائِلاً: يَاسَيِّدُ اتْرُكْهَا هَذِهِ السَّنَةَ أَيْضاً،
حَتَّى أَنْقُبَ التُّرْبَةَ مِنْ حَوْلِهَا وَأَضَعَ سَمَاداً.
9فَلَعَلَّهَا تُنْتِجُ ثَمَراً! وَإِلاَّ، فَبَعْدَ ذَلِكَ تَقْطَعُهَا!»
10وَكَانَ يُعَلِّمُ فِي أَحَدِ الْمَجَامِعِ ذَاتَ سَبْتٍ. 11وَإِذَا
هُنَاكَ امْرَأَةٌ كَانَ قَدْ سَكَنَهَا رُوحٌ فَأَمْرَضَهَا طِيلَةَ
ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَتْ حَدْبَاءَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ
تَنْتَصِبَ أَبَداً. 12فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ، دَعَاهَا، وَقَالَ لَهَا:
«يَاامْرَأَةُ، أَنْتِ فِي حِلٍّ مِنْ دَائِكِ!» 13وَوَضَعَ يَدَيْهِ
عَلَيْهَا، فَعَادَتْ مُسْتَقِيمَةً فِي الْحَالِ، وَمَجَّدَتِ اللهَ !
14إِلاَّ أَنَّ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، وَقَدْ ثَارَ غَضَبُهُ لأَنَّ يَسُوعَ
شَفَى فِي السَّبْتِ، قَالَ لِلْجَمْعِ: «فِي الأُسْبُوعِ سِتَّةُ أَيَّامٍ
يُسْمَحُ فِيهَا بِالْعَمَلِ. فَفِي هَذِهِ الأَيَّامِ تَعَالَوْا
وَاسْتَشْفُوا، لاَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ!» 15فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّبُّ
قَائِلاً: «يَامُرَاؤُونَ! أَلاَّ يَحُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَوْمَ
السَّبْتِ رِبَاطَ ثَوْرِهِ أَوْ حِمَارِهِ مِنَ الْمِذْوَدِ وَيَذْهَبُ
بِهِ فَيَسْقِيهِ! 16وَأَمَّا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ ابْنَةٌ
لإِبْرَاهِيمَ قَدْ رَبَطَهَا الشَّيْطَانُ طِيلَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ
سَنَةً، أَفَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تُحَلَّ مِنْ هَذَا الرِّبَاطِ فِي
يَوْمِ السَّبْتِ؟» 17وَإِذْ قَالَ هَذَا، خَجِلَ جَمِيعُ مُعَارِضِيهِ،
وَفَرِحَ الْجَمْعُ كُلُّهُ بِجَمِيعِ الأَعْمَالِ الْمَجِيدَةِ الَّتِي
كَانَ يُجْرِيهَا.
18وَقَالَ الرَّبُّ: «مَاذَا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ اللهِ؟ وَبِمَاذَا
أُشَبِّهُهُ؟ 19إِنَّهُ يُشْبِهُ بِزْرَةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ
وَأَلْقَاهَا فِي بُسْتَانِهِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً،
وَتَآوَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ فِي أَغْصَانِهَا».
20وَقَالَ أَيْضاً: «بِمَاذَا أُشَبِّهُ مَلَكُوتَ اللهِ؟ 21إِنَّهُ
يُشْبِهُ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَأَخْفَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ
مَقَادِيرَ مِنَ الدَّقِيقِ حَتَّى اخْتَمَرَ الْعَجِينُ كُلُّهُ!»
22وَاجْتَازَ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ،
يُعَلِّمُ فِيهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 23وَسَأَلَهُ
أَحَدُهُمْ: «يَاسَيِّدُ، أَقَلِيلٌ عَدَدُ الَّذِينَ سَيَخْلُصُونَ؟»
وَلكِنَّهُ قَالَ لِلْجَمِيعِ: 24«ابْذِلُوا الْجَهْدَ لِلدُّخُولِ مِنَ
الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كَثِيرِينَ
سَيَسْعَوْنَ إِلَى الدُّخُولِ، فَلاَ يَتَمَكَّنُونَ. 25فَمِنْ بَعْدِ مَا
يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَتَبْدَأُونَ
بِالْوُقُوفِ خَارِجاً تَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَارَبُّ افْتَحْ
لَنَا! فَيُجِيبُكُمْ قَائِلاً: لاَ أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ!
26عِنْدَئِذٍ تَبْدَأُونَ تَقُولُونَ: أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا بِحُضُورِكَ،
وَعَلَّمْتَ فِي شَوَارِعِنَا! 27وَسَوْفَ يَقُولُ: أَقُولُ لَكُمْ، لاَ
أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؛ اغْرُبُوا مِنْ أَمَامِي يَاجَمِيعَ
فَاعِلِي الإِثْمِ! 28هُنَاكَ سَيَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ،
عِنْدَمَا تَرَوْنَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ
الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجاً.
29وَسَيَأْتِي أُنَاسٌ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَمِنَ الشِّمَالِ
وَالْجَنُوبِ، وَيَتَّكِئُونَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ. 30فَإِذاً آخِرُونَ
يَصِيرُونَ أَوَّلِينَ، وَأَوَّلُونَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ».
31فِي
تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بَعْضُ
الْفَرِّيسِيِّينَ، قَائِلِينَ لَهُ: «انْجُ بِنَفْسِكَ! اهْرُبْ مِنْ
هُنَا، فَإِنَّ هِيرُودُسَ عَازِمٌ عَلَى قَتْلِكَ». 32فَقَالَ لَهُمْ:
«اذْهَبُوا، قُولُوا لِهَذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أَطْرُدُ
الشَّيَاطِينَ وَأَشْفِي الْمَرْضَى الْيَوْمَ وَغَداً. وَفِي الْيَوْمِ
الثَّالِثِ يَتِمُّ بِي كُلُّ شَيْءٍ. 33وَلكِنْ لاَبُدَّ أَنْ أُكَمِّلَ
مَسِيرَتِي الْيَوْمَ وَغَداً وَمَا بَعْدَهُمَا، لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ
أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ إِلاَّ فِي أُورُشَلِيمَ!
34يَاأُورُشَلِيمُ، يَاأُورُشَلِيمُ، يَاقَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ
وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا؛ كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ
أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ مَعاً كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ
جَنَاحَيْهَا، وَلكِنَّكُمْ لَمْ تُرِيدُوا! 35هَا إِنَّ بَيْتَكُمْ
يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً! وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْنِي
أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتٌ تَقُولُونَ فِيهِ: مُبَارَكٌ الآتِي
بِاسْمِ الرَّبِّ!»
14
وَإِذْ
دَخَلَ بَيْتَ وَاحِدٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْفَرِّيسِيِّينَ فِي ذَاتِ سَبْتٍ
لِيَتَنَاوَلَ الطَّعَامَ، كَانُوا يُرَاقِبُونَهُ. 2وَإِذَا أَمَامَهُ
إِنْسَانٌ مُصَابٌ بِالاسْتِسْقَاءِ. 3فَخَاطَبَ يَسُوعُ عُلَمَاءَ
الشَّرِيعَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَسَأَلَهُمْ: «أَيَحِلُّ إِجْرَاءُ
الشِّفَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ أَمْ لاَ؟» 4وَلكِنَّهُمْ ظَلُّوا صَامِتِينَ.
فَأَخَذَهُ وَشَفَاهُ وَصَرَفَهُ. 5وَعَادَ يَسْأَلُهُمْ: «مَنْ مِنْكُمْ
يَسْقُطُ حِمَارُهُ أَوْ ثَوْرُهُ فِي بِئْرٍ يَوْمَ السَّبْتِ وَلاَ
يَنْتَشِلُهُ حَالا؟» 6فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُجِيبُوهُ عَنْ هَذَا.
7وَضَرَبَ لِلْمَدْعُوِّينَ مَثَلاً بَعْدَمَا لاَحَظَ كَيْفَ اخْتَارُوا
أَمَاكِنَ الصَّدَارَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: 8«عِنْدَمَا يَدْعُوكَ أَحَدٌ
إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ، فَلاَ تَتَّكِيءْ فِي مَكَانِ الصَّدَارَةِ، إِذْ
رُبَّمَا كَانَ قَدْ دَعَا إِلَيْهِ مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْكَ مَقَاماً،
9فَيَأْتِي الَّذِي دَعَاكَ وَدَعَاهُ وَيَقُولُ لَكَ: أَخْلِ الْمَكَانَ
لِهَذَا الرَّجُلِ! وَعِنْدَئِذٍ تَنْسَحِبُ بِخَجَلٍ لِتَأْخُذَ
الْمَكَانَ الأَخِيرَ. 10وَلكِنْ، عِنْدَمَا تُدْعَى، فَاذْهَبْ
وَاتَّكِيءْ فِي الْمَكَانِ الأَخِيرِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الَّذِي
دَعَاكَ، يَقُولُ لَكَ: يَاصَدِيقِي، قُمْ إِلَى الصَّدْرِ! وَعِنْدَئِذٍ
يَرْتَفِعُ قَدْرُكَ فِي نَظَرِ الْمُتَّكِئِينَ مَعَكَ. 11فَإِنَّ كُلَّ
مَنْ يُرَفِّعُ نَفْسَهُ يُوضَعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يُرَفَّعُ».
12وَقَالَ أَيْضاً لِلَّذِي دَعَاهُ: «عِنْدَمَا تُقِيمُ غَدَاءً أَوْ
عَشَاءً، فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ
وَلاَ جِيرَانَكَ الأَغْنِيَاءَ، لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضاً
بِالْمُقَابِلِ، فَتَكُونَ قَدْ كُوفِئْتَ. 13وَلكِنْ، عِنْدَمَا تُقِيمُ
وَلِيمَةً ادْعُ الْفُقَرَاءَ وَالْمُعَاقِينَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ؛
14فَتَكُونَ مُبَارَكاً لأَنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَمْلِكُونَ مَا
يُكَافِئُونَكَ بِهِ، فَإِنَّكَ تُكَافَأُ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ».
15فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا أَحَدُ الْمُتَّكِئِينَ، قَالَ لَهُ: «طُوبَى
لِمَنْ سَيَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ!» 16فَقَالَ لَهُ:
«أَقَامَ إِنْسَانٌ عَشَاءً عَظِيماً، وَدَعَا كَثِيرِينَ. 17ثُمَّ
أَرْسَلَ عَبْدَهُ سَاعَةَ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ:
تَعَالَوْا، فَكُلُّ شَيْءٍ جَاهِزٌ! 18فَبَدَأَ الْجَمِيعُ يَعْتَذِرُونَ
عَلَى السَّوَاءِ. فَقَالَ لَهُ أَوَّلُهُمْ: اشْتَرَيْتُ حَقْلاً،
وَعَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ وَأَرَاهُ أَرْجُو مِنْكَ أَنْ تَعْذُرَنِي!
19وَقَالَ غَيْرُهُ: اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا
ذَاهِبٌ لأُجَرِّبَهَا أَرْجُو مِنْكَ أَنْ تَعْذُرَنِي! 20وَقَالَ آخَرُ:
تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، وَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَحْضُرَ!
21فَرَجَعَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذلِكَ. عِنْدَئِذٍ غَضِبَ
رَبُّ الْبَيْتِ وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ سَرِيعاً إِلَى شَوَارِعِ
الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، وَأَحْضِرِ الْفُقَرَاءَ وَالْمُعَاقِينَ
وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ إِلَى هُنَا! 22(فَرَجَعَ) الْخَادِمُ يَقُولُ:
يَاسَيِّدُ، قَدْ جَرَى مَا أَمَرْتَ بِهِ، وَيُوجَدُ بَعْدُ مَكَانٌ.
23فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ
وَأَجْبِرِ النَّاسَ عَلَى الدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِيءَ بَيْتِي،
24فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِداً مِنْ أُولئِكَ الْمَدْعُوِّينَ
لَنْ يَذُوقَ عَشَائِي!»
25وَكَانَتْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ تَسِيرُ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ
لَهُمْ: 26«إِنْ جَاءَ إِلَيَّ أَحَدٌ، وَلَمْ يُبْغِضْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ
وَزَوْجَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وأَخَوَاتِهِ، بَلْ نَفْسَهُ
أَيْضاً، فَلاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذاً لِي. 27وَمَنْ لاَ
يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي، فَلاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ
تِلْمِيذاً لِي. 28فَأَيٌّ مِنْكُمْ، وَهُوَ رَاغِبٌ فِي أَنْ يَبْنِيَ
بُرْجاً، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ الْكُلْفَةَ لِيَرَى هَلْ
عِنْدَهُ مَا يَكْفِي لإِنْجَازِهِ؟ 29وَذلِكَ لِئَلاَّ يَضَعَ لَهُ
الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُنْجِزَهُ. أَفَلاَ يَأْخُذُ جَمِيعُ
النَّاظِرِينَ يَسْخَرُونَ مِنْهُ. 30قَائِلِينَ: هَذَا الإِنْسَانُ شَرَعَ
يَبْنِي وَعَجَزَ عَنِ الإِنْجَازِ؟ 31أَمْ أَيُّ مَلِكٍ ذَاهِبٍ
لِمُحَارَبَةِ آخَرَ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَسْتَشِيرُ لِيَرَى هَلْ
يَقْدِرُ أَنْ يُوَاجِهَ بِعَشَرَةِ آلافٍ ذلِكَ الزَّاحِفَ عَلَيْهِ
بِعِشْرِينَ أَلْفاً. 32وَإِلاَّ فَإِنَّهُ،
وَالْعَدُوُّ مَازَالَ
بَعِيداً، يُرْسِلُ إِلَيْهِ وَفْداً، طَالِباً مَا يَؤُولُ إِلَى
الصُّلْحِ. 33هَكَذَا إِذَنْ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَهْجُرُ كُلَّ
مَا يَمْلِكُهُ، لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذاً لِي.
34إِنَّمَا الْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلكِنْ إِذَا فَقَدَ الْمِلْحُ طَعْمَهُ،
فَبِمَاذَا تُعَادُ إِلَيْهِ مُلُوحَتُهُ؟ 35إِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لاَ
لِلتُّرْبَةِ وَلاَ لِلسَّمَادِ، فَيُطْرَحُ خَارِجاً. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ
لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ!»
15
وَكَانَ جَمِيعُ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ وَالْخَاطِئِينَ يَتَقَدَّمُونَ
إِلَيْهِ لِيَسْمَعُوهُ. 2فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ
قَائِلِينَ: «هَذَا الإِنْسَانُ يُرَحِّبُ بِالْخَاطِئِينَ وَيَأْكُلُ
مَعَهُمْ!» 3فَضَرَبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ قَائِلاً: 4«أَيُّ إِنْسَانٍ
مِنْكُمْ عِنْدَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا، أَلاَ
يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبُ
يَبْحَثُ عَنِ الْخَرُوفِ الضَّائِعِ حَتَّى يَجِدَهُ؟ 5وَبَعْدَ أَنْ
يَجِدَهُ، يَحْمِلُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ فَرِحاً، 6ثُمَّ يَعُودُ إِلَى
الْبَيْتِ، وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ، قَائِلاً لَهُمْ:
افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّائِعَ ! 7أَقُولُ لَكُمْ
إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فِي السَّمَاءِ فَرَحٌ بِخَاطِيءٍ وَاحِدٍ تَائِبٍ
أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى
تَوْبَةٍ!
8أَمْ
أَيَّةُ امْرَأَةٍ عِنْدَهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، إِذَا أَضَاعَتْ
دِرْهَماً وَاحِداً، أَلاَ تُشْعِلُ مِصْبَاحاً وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ
وَتَبْحَثُ بِانْتِبَاهٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ 9وَبَعْدَ أَنْ تَجِدَهُ،
تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي، لأَنِّي
وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. 10أَقُولُ لَكُمْ: هَكَذَا
يَكُونُ بَيْنَ مَلائِكَةِ اللهِ فَرَحٌ بِخَاطِيءٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ».
11وَقَالَ: «كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ. 12فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ:
يَاأَبِي، أَعْطِنِي الْحِصَّةَ الَّتِي تَخُصُّنِي مِنَ الْمِيرَاثِ!
فَقَسَمَ لَهُمَا كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ. 13وَبَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ،
جَمَعَ الاِبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ مَا عِنْدَهُ، وَمَضَى إِلَى بَلَدٍ
بَعِيدٍ. وَهُنَالِكَ بَذَّرَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَالِ فِي عِيشَةِ
الْخَلاعَةِ. 14وَلكِنْ لَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، اجْتَاحَتْ ذلِكَ
الْبَلَدَ مَجَاعَةٌ قَاسِيَةٌ، فَأَخَذَ يَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ.
15فَذَهَبَ وَالْتَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ مُوَاطِنِي ذلِكَ الْبَلَدِ،
فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. 16وَكَمِ اشْتَهَى
لَوْ يَمْلَأُ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ
تَأْكُلُهُ، فَمَا أَعْطَاهُ أَحَدٌ! 17ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ،
وَقَالَ: مَا أَكْثَرَ خُدَّامَ أَبِي الْمَأْجُورِينَ الَّذِينَ يَفْضُلُ
عَنْهُمُ الْخُبْزُ، وَأَنَا هُنَا أَكَادُ أَهْلِكُ جُوعاً! 18سَأَقُومُ
وَأَرْجِعُ إِلَى أَبِي، وَأَقُولُ لَهُ: يَاأَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى
السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ؛ 19وَلاَ أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى ابْناً
لَكَ: اجْعَلْنِي كَوَاحِدٍ مِنْ خُدَّامِكَ الْمَأْجُورِينَ! 20فَقَامَ
وَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ. وَلكِنَّ أَبَاهُ رَآهُ وَهُوَ مَازَالَ بَعِيداً،
فَتَحَنَّنَ، وَرَكَضَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ بِحَرَارَةٍ.
21فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ. يَاأَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ
وَأَمَامَكَ، وَلاَ أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى ابْناً لَكَ...
22أَمَّا الأَبُ فَقَالَ لِعَبِيدِهِ: أَحْضِرُوا سَرِيعاً أَفْضَلَ ثَوْبٍ
وَأَلْبِسُوهُ، وَضَعُوا فِي إِصْبَعِهِ خَاتِماً وَفِي قَدَمَيْهِ
حِذَاءً. 23وَأَحْضِرُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ؛
وَلْنَأْكُلْ وَنَفْرَحْ: 24فَإِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ،
وَكَانَ ضَائِعاً فَوُجِدَ. فَأَخَذُوا يَفْرَحُونَ! 25وَكَانَ ابْنُهُ
الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَاقْتَرَبَ مِنَ الْبَيْتِ،
سَمِعَ مُوسِيقَى وَرَقْصاً. 26فَدَعَا وَاحِداً مِنَ الْخُدَّامِ
وَاسْتَفْسَرَهُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ ذلِكَ. 27فَأَجَابَهُ: رَجَعَ
أَخُوكَ، فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ لأَنَّهُ اسْتَعَادَهُ
سَالِماً! 28وَلكِنَّهُ غَضِبَ وَرَفَضَ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ
وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ. 29غَيْرَ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى أَبِيهِ قَائِلاً: هَا
أَنَا أَخْدِمُكَ هَذِهِ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ
أَمْراً، وَلكِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي وَلَوْ جَدْياً وَاحِداً لأَفْرَحَ
مَعَ أَصْدِقَائِي. 30وَلكِنْ لَمَّا عَادَ ابْنُكَ هَذَا الَّذِي أَكَلَ
مَالَكَ مَعَ الْفَاجِرَاتِ، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ!
31فَقَالَ لَهُ: يَابُنَيَّ، أَنْتَ مَعِي دَائِماً، وَكُلُّ مَا
أَمْلِكُهُ هُوَ لَكَ! 32وَلكِنْ كَانَ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ نَفْرَحَ
وَنَبْتَهِجَ، لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ، وَكَانَ
ضَالاً فَوُجِدَ!»
16
وَقَالَ أَيْضاً لِتَلاَمِيذِهِ: «كَانَ لإِنْسَانٍ غَنِيٍّ وَكِيلٌ.
فَاتُّهِمَ لَدَيْهِ بِأَنَّهُ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ. 2فَاسْتَدْعَاهُ
وَسَأَلَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْكَ؟ قَدِّمْ حِسَابَ
وِكَالَتِكَ، فَإِنَّكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلاً لِي بَعْدُ!
3فَقَالَ الْوَكِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَا عَسَى أَنْ أَعْمَلَ، مَادَامَ
سَيِّدِي سَيَنْزِعُ عَنِّي الْوِكَالَةَ؟ لاَ أَقْوَى عَلَى نَقْبِ
الأَرْضِ؛ وَأَسْتَحِي أَنْ أَسْتَعْطِيَ! 4قَدْ عَلِمْتُ مَاذَا أَعْمَلُ،
حَتَّى إِذَا عُزِلْتُ عَنِ الْوِكَالَةِ، يَسْتَقْبِلُنِي الأَصْدِقَاءُ
فِي بُيُوتِهِمْ. 5فَاسْتَدْعَى مَدْيُونِي سَيِّدِهِ وَاحِداً فَوَاحِداً.
وَسَأَلَ أَوَّلَهُمْ: كَمْ عَلَيْكَ لِسَيِّدِي؟ 6فَأَجَابَ: مِئَةُ بَثٍّ
مِنَ الزَّيْتِ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ، وَاجْلِسْ سَرِيعاً،
وَاكْتُبْ خَمْسِينَ! 7ثُمَّ قَالَ لِلآخَرِ: وَأَنْتَ، كَمْ عَلَيْكَ؟
فَأَجَابَ: مِئَةَ كُرٍّ مِنَ الْقَمْحِ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ،
وَاكْتُبْ ثَمَانِينَ! 8فَامْتَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَهُ الْخَائِنَ
لأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِحِكْمَةٍ. فَإِنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الْعَالَمِ
أَحْكَمُ مَعَ أَهْلِ جِيلِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ. 9وَأَقُولُ
لَكُمْ: اكْسِبُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِذَا
فَنِيَ مَالُكُمْ، تُقْبَلُونَ فِي الْمَنَازِلِ الأَبَدِيَّةِ! 10إِنَّ
الأَمِينَ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ، وَالْخَائِنَ
فِي الْقَلِيلِ خَائِنٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ. 11فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا
أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى مَالِ
الْحَقِّ؟ 12وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا يَخُصُّ غَيْرَكُمْ،
فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا يَخُصُّكُمْ؟ 13مَا مِنْ خَادِمٍ يَقْدِرُ أَنْ
يَكُونَ عَبْداً لِسَيِّدَيْنِ: فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ
أَحَدَهُمَا، فَيُحِبَّ الآخَرَ؛ وَإِمَّا أَنْ يَلْتَحِقَ بِأَحَدِهِمَا،
فَيَهْجُرَ الآخَرَ. لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَكُونُوا عَبِيداً لِلهِ
وَالْمَالِ مَعاً».
14وَكَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضاً، وَهُمْ مُحِبُّونَ لِلْمَالِ،
يَسْمَعُونَ ذلِكَ كُلَّهُ، فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ. 15فَقَالَ لَهُمْ:
«إِنَّكُمْ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ أَمَامَ النَّاسِ، وَلكِنَّ اللهَ
يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ. فَمَا يَعْتَبِرُهُ النَّاسُ رَفِيعَ الْقَدْرِ،
هُوَ رِجْسٌ عِنْدَ اللهِ.
16ظَلَّتِ الشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ حَتَّى زَمَنِ يُوحَنَّا: وَمُنْذُ
ذلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَشُقُّ
طَرِيقَهُ بِاجْتِهَادٍ لِلدُّخُولِ إِلَيْهِ. 17عَلَى أَنَّ زَوَالَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَسْهَلُ مِنْ سُقُوطِ نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ
الشَّرِيعَةِ: 18كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى،
يَرْتَكِبُ الزِّنَى. وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ
زَوْجِهَا يَرْتَكِبُ الزِّنَى.
19كَانَ هُنَالِكَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ، يَلْبَسُ الأُرْجُوَانَ وَنَاعِمَ
الثِّيَابِ، وَيُقِيمُ الْوَلاَئِمَ الْمُتْرَفَةَ، مُتَنَعِّماً كُلَّ
يَوْمٍ. 20وَكَانَ إِنْسَانٌ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، مَطْرُوحاً
عِنْدَ بَابِهِ وَهُوَ مُصَابٌ بِالْقُرُوحِ، 21يَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ
مِنَ الْفُتَاتِ الْمُتَسَاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ. حَتَّى
الْكِلاَبُ كَانَتْ
تَأْتِاي وَتَلْحَسُ
قُرُوحَهُ.
22وَمَاتَ الْمِسْكِينُ، وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ
إِبْرَاهِيمَ. ثُمَّ مَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضاً وَدُفِنَ. 23وَإِذْ رَفَعَ
عَيْنَيْهِ وَهُوَ فِي الْهَاوِيَةِ يَتَعَذَّبُ، رَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ
بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ. 24فَنَادَى قَائِلاً: يَاأَبِاي
إِبْرَاهِيمَ! ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَغْمِسَ طَرَفَ
إِصْبَعِهِ فِي الْمَاءِ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي: فَإِنِّي مُعَذَّبٌ فِي
هَذَا اللَّهِيبِ. 25وَلكِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: يَابُنَيَّ، تَذَكَّرْ
أَنَّكَ نِلْتَ خَيْرَاتِكَ كَامِلَةً فِي أَثْنَاءِ حَيَاتِكَ،
وَلِعَازَرُ نَالَ الْبَلاَيَا. وَلكِنَّهُ الآنَ يَتَعَزَّى هُنَا،
وَأَنْتَ هُنَاكَ تَتَعَذَّبُ. 26وَفَضْلاً عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةً عَظِيمَةً قَدْ أُثْبِتَتْ،
حَتَّى إِنَّ
الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ هُنَا لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ
الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَسْتَطِيعُونَ الْعُبُورَ إِلَيْنَا!
27فَقَالَ: أَلْتَمِسُ مِنْكَ إِذَنْ، يَاأَبِي، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى
بَيْتِ أَبِي، 28فَإِنَّ عِنْدِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ
لَهُمْ مُنْذِراً، لِئَلاَّ يَأْتُوا هُمْ أَيْضاً إِلَى مَكَانِ
الْعَذَابِ هَذَا. 29وَلكِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَهُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى
وَالأَنْبِيَاءُ: فَلْيَسْمَعُوا لَهُمْ! 30فَقَالَ لَهُ: لاَ يَاأَبِي
إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا ذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِ
الأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ! 31فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ
لِمُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، فَلاَ يَقْتَنِعُونَ حَتَّى لَوْ قَامَ وَاحِدٌ
مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ!»
17
وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «لاَبُدَّ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ.
وَلكِنِ الْوَيْلُ لِمَنْ تَأْتِي عَلَى يَدِهِ! 2كَانَ أَنْفَعَ لَهُ لَوْ
عُلِّقَ حَوْلَ عُنُقِهِ حَجَرُ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ، مِنْ أَنْ
يَكُونَ عَثْرَةً لأَحَدِ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ. 3خُذُوا الْحِذْرَ
لأَنْفُسِكُمْ: إِنْ أَخْطَأَ أَخُوكَ، فَعَاتِبْهُ. فَإِذَا تَابَ،
فَاغْفِرْ لَهُ. 4وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ،
وَعَادَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ! فَعَلَيْكَ
أَنْ تَغْفِرَ لَهُ».
5وَقَالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ: «زِدْنَا إِيمَاناً!» 6وَلكِنَّ الرَّبَّ
قَالَ: «لَوْ كَانَ عِنْدَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ بِزْرَةِ الْخَرْدَلِ،
لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِشَجَرَةِ التُّوتِ هَذِهِ: انْقَلِعِي
وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ ! فَتُطِيعُكُمْ!
7«وَلَكِنْ، أَيُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَكُونُ عِنْدَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ
يَرْعَى، فَيَقُولُ لَهُ لَدَى رُجُوعِهِ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ فِي
الْحَالِ وَاتَّكِيءْ؟ 8أَلاَ يَقُولُ لَهُ بِالأَحْرَى: أَحْضِرْ لِي مَا
أَتَعَشَّى بِهِ، وَشُدَّ وَسَطَكَ بِالْحِزَامِ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ
وَأَشْرَبَ وبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ؟ 9وَهَلْ يُشْكَرُ
الْعَبْدُ لأَنَّهُ عَمِلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ 10هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً،
عِنْدَمَا تَعْمَلُونَ كُلَّ مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، قُولُوا: إِنَّمَا
نَحْنُ عَبِيدٌ غَيْرُ نَافِعِينَ، قَدْ عَمِلْنَا مَا كَانَ وَاجِباً
عَلَيْنَا!»
11وَفِيمَا هُوَ صَاعِدٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ، مَرَّ فِي وَسَطِ
مِنْطَقَتَيِ السَّامِرَةِ وَالْجَلِيلِ. 12وَلَدَى دُخُولِهِ إِحْدَى
الْقُرَى، لاَقَاهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ مُصَابِينَ بِالْبَرَصِ. فَوَقَفُوا
مِنْ بَعِيدٍ، 13وَرَفَعُوا الصَّوْتَ قَائِلِينَ: «يَايَسُوعُ،
يَاسَيِّدُ، ارْحَمْنَا!» 14فَرَآهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «اذْهَبُوا
وَاعْرِضُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْكَهَنَةِ!» وَفِيمَا كَانُوا
ذَاهِبِينَ، طَهَرُوا. 15فَلَمَّا رَأَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ
طَهَرَ، عَادَ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَالٍ، 16وَخَرَّ عَلَى
وَجْهِهِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مُقَدِّماً لَهُ الشُّكْرَ. وَكَانَ هَذَا
سَامِرِيّاً. 17فَتَكَلَّمَ يَسُوعُ قَائِلاً: «أَمَا طَهَرَ الْعَشَرَةُ؟
فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ 18أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعُودُ وَيُقَدِّمُ
الْمَجْدَ لِلهِ سِوَى هَذَا الأَجْنَبِيِّ؟» 19ثُمَّ قَالَ لَهُ: «قُمْ
وَامْضِ فِي سَبِيلِكَ: إِنَّ إِيمَانَكَ قَدْ خَلَّصَكَ!»
20وَإِذْ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟»
أَجَابَهُمْ قَائِلاً: «إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لاَ يَأْتِي بِعَلاَمَةٍ
مَنْظُورَةٍ. 21وَلاَ يُقَالُ: هَا هُوَ هُنَا، أَوْ: هَا هُوَ هُنَاكَ!
فَهَا إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ فِي دَاخِلِكُمْ!»
22ثُمَّ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «سَيَأْتِي زَمَانٌ تَتَشَوَّقُونَ فِيهِ
أَنْ تَرَوْا وَلَوْ يَوْماً وَاحِداً مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ،
وَلَنْ تَرَوْا. 23وَسَوْفَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لَكُمْ: هَا هُوَ هُنَاكَ،
أَوْ: هَا هُوَ هُنَا؛ فَلاَ تَذْهَبُوا وَلاَ تَتْبَعُوهُمْ: 24فَكَمَا
أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَلْمَعُ تَحْتَ السَّمَاءِ مِنْ إِحْدَى
الْجِهَاتِ يُضِيءُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ
يَوْمَ يَعُودُ. 25وَلكِنْ لاَبُدَّ لَهُ أَوَّلاً مِنْ أَنْ يُعَانِيَ
آلاَماً كَثِيرَةً وَأَنْ يَرْفُضَهُ هَذَا الْجِيلُ! 26وَكَمَا حَدَثَ فِي
زَمَانِ نُوحٍ، هَكَذَا أَيْضاً سَوْفَ يَحْدُثُ فِي زَمَانِ ابْنِ
الإِنْسَانِ: 27كَانَ النَّاسُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ
وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ السَّفِينَةَ
وَجَاءَ الطُّوفَانُ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. 28وَكَذلِكَ، كَمَا حَدَثَ فِي
زَمَانِ لُوطٍ: كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَشْتَرُونَ
وَيَبِيعُونَ وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ، 29وَلكِنْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي
فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ، أَمْطَرَ (اللهُ ) مِنَ السَّمَاءِ
نَاراً وَكِبْرِيتاً، فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ 30هَكَذَا سَيَحْدُثُ فِي
يَوْمِ ظُهُورِ ابْنِ الإِنْسَانِ. 31فَمَنْ كَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ
عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ، فَلاَ يَنْزِلْ
لِيَأْخُذَهَا؛ وَمَنْ كَانَ فِي الْحَقْلِ كَذلِكَ، فَلاَ يَرْجِعْ إِلَى
الْوَرَاءِ. 32تَذَكَّرُوا زَوْجَةَ لُوطٍ! 33مَنْ يَسْعَى لإِنْقَاذِ
حَيَاتِهِ يَفْقِدُهَا، وَمَنْ فَقَدَهَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا. 34أَقُولُ
لَكُمْ: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنَانِ نَائِمَيْنِ عَلَى
سَرِيرٍ وَاحِدٍ، فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ؛ 35وَتَكُونُ
اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعاً، فَتُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ
الأُخْرَى؛ 36وَيَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ، فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ
وَيُتْرَكُ الآخَرُ». 37فَرَدُّوا سَائِلِينَ: «أَيْنَ، يَارَبُّ؟» فَقَالَ
لَهُمْ: «حَيْثُ تَكُونُ الْجِيفَةُ، هُنَاكَ تَتَجَمَّعُ النُّسُورُ!»
18
وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً فِي وُجُوبِ الصَّلاَةِ دَائِماً وَدُونَ مَلَلٍ،
2قَالَ: «كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَحْتَرِمُ
إِنْسَاناً. 3وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ كَانَتْ تَأْتِي
إِلَيْهِ قَائِلَةً: أَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي! 4فَظَلَّ يَرْفُضُ
طَلَبَهَا مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ. وَلكِنَّهُ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ فِي
نَفْسِهِ: حَتَّى لَوْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَحْتَرِمُ
إِنْسَاناً، 5فَمَهْمَا يَكُنْ، فَلأَنَّ هَذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي
سَأُنْصِفُهَا، لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِماً فَتُصَدِّعَ رَأْسِي!» 6وَقَالَ
الرَّبُّ: «اسْمَعُوا مَا يَقُولُهُ الْقَاضِي الظَّالِمُ. 7أَفَلاَ
يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ الَّذِينَ يَصْرُخُونَ إِلَيْهِ نَهَاراً
وَلَيْلاً؟ أَمَا يُسْرِعُ فِي الاسْتِجَابَةِ لَهُمْ؟ 8أَقُولُ لَكُمْ:
إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعاً. وَلكِنْ، عِنْدَمَا يَعُودُ ابْنُ
الإِنْسَانِ، أَيَجِدُ إِيمَاناً عَلَى الأَرْضِ؟»
9وَضَرَبَ أَيْضاً هَذَا الْمَثَلَ لأُنَاسٍ يَثِقُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ
بِأَنَّهُمْ أَبْرَارٌ وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ: 10«صَعِدَ إِنْسَانَانِ
إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، أَحَدُهُمَا فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ جَابِي
ضَرَائِبَ. 11فَوَقَفَ الْفَرِّيسِيُّ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا:
أَشْكُرُكَ، يَااللهُ ،
لأَنِّي لَسْتُ مِثْلَ
بَاقِي النَّاسِ الطَّمَّاعِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ
جَابِي الضَّرَائِبِ هَذَا: 12أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ،
وَأُقَدِّمُ عُشْرَ كُلِّ مَا أَجْنِيهِ! 13وَلكِنَّ جَابِيَ الضَّرَائِبِ،
وَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ لاَ يَجْرُؤُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ
السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ صَدْرَهُ قَائِلاً: ارْحَمْنِي، يَااللهُ ، أَنَا
الْخَاطِيءُ! 14أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنْسَانَ نَزَلَ إِلَى
بَيْتِهِ مُبَرَّراً، بِعَكْسِ الآخَرِ. فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُرَفِّعُ
نَفْسَهُ يُوضَعُ؛ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يُرَفَّعُ».
15وَأَحْضَرَ بَعْضُهُمْ أَطْفَالاً أَيْضاً لِيَلْمِسَهُمْ. وَلكِنَّ
التَّلاَمِيذَ لَمَّا رَأَوْهُمْ زَجَرُوهُمْ. 16أَمَّا يَسُوعُ
فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَقَالَ: «دَعُوا الصِّغَارَ يَأْتُونَ إِلَيَّ،
وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ: لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاءِ مَلَكُوتَ اللهِ !
17الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ كَأَنَّهُ
وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَلَنْ يَدْخُلَهُ أَبَداً!»
18وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ قَائِلاً: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ
الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟»
19وَلَكِنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُونِي الصَّالِحَ؟ لَيْسَ
أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللهُ ! 20أَنْتَ تَعْرِفُ
الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ؛ لاَ تَقْتُلْ؛ لاَ تَسْرِقْ؛ لاَ تَشْهَدْ
بِالزُّورِ؛ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ!» 21فَقَالَ: «هَذِهِ كُلُّهَا
عَمِلْتُ بِهَا مُنْذُ صِغَرِي!» 22فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هَذَا، قَالَ
لَهُ: «يَنْقُصُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: بِعْ كُلَّ مَا عِنْدَكَ، وَوَزِّعْ
عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاوَاتِ. ثُمَّ
تَعَالَ اتْبَعْنِي!» 23وَلكِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ ذلِكَ، حَزِنَ حُزْناً
شَدِيداً، لأَنَّهُ كَانَ غَنِيّاً جِدّاً. 24فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ
ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ: «مَا أَصْعَبَ دُخُولَ الأَغْنِيَاءِ إِلَى
مَلَكُوتِ اللهِ! 25فَإِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ فِي ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَسْهَلُ
مِنْ دُخُولِ غَنِيٍّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ». 26فَقَالَ الَّذِينَ
سَمِعُوا ذَلِكَ: «إِذَنْ، مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُصَ؟» 27فَقَالَ:
«إِنَّ الْمُسْتَحِيلَ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ!»
28فَقَالَ بُطْرُسُ: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ
وَتَبِعْنَاكَ!» 29فَقَالَ لَهُمْ: «الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا مِنْ
أَحَدٍ تَرَكَ بَيْتاً، أَوْ زَوْجَةً، أَوْ إِخْوَةً أَوْ وَالِدَيْنِ،
أَوْ أَوْلاَداً، مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، 30إِلاَّ وَيَنَالُ
أَضْعَافَ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَيَنَالُ فِي الزَّمَانِ الآتِي
الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ!»
31ثُمَّ انْتَحَى بِالاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: «هَا نَحْنُ
صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَوْفَ تَتِمُّ جَمِيعُ الأُمُورِ
الَّتِي كَتَبَهَا الأَنْبِيَاءُ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ. 32فَإِنَّهُ
سَيُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الأُمَمِ، فَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُهَانُ
وَيُبْصَقُ عَلَيْهِ. 33وَبَعْدَ أَنْ يَجْلِدُوهُ يَقْتُلُونَهُ. وَفِي
الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ!» 34وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا شَيْئاً
مِنْ ذلِكَ. وَكَانَ هَذَا الأَمْرُ خَافِياً عَنْهُمْ، وَلَمْ يُدْرِكُوا
مَا قِيلَ.
35وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى جُوَارِ أَرِيحَا، كَانَ أَحَدُ الْعُمْيَانِ
جَالِساً عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. 36فَلَمَّا سَمِعَ مُرُورَ
الْجَمْعِ، اسْتَخْبَرَ عَمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ. 37فَقِيلَ لَهُ:
«إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مَارٌّ مِنْ هُنَاكَ». 38فَنَادَى قَائِلاً
«يَايَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي! 39فَزَجَرَهُ السَّائِرُونَ فِي
الْمُقَدِّمَةِ لِيَسْكُتَ. وَلكِنَّهُ أَخَذَ يَزِيدُ صُرَاخاً أَكْثَرَ:
«يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» 40فَتَوَقَّفَ يَسُوعَ وَأَمَرَ أَنْ
يُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ سَأَلَهُ: 41«مَاذَا تُرِيدُ
أَنْ أَفْعَلَ لَكَ؟» فَقَالَ:
«يَارَبُّ، أَنْ تَرُدَّ لِي الْبَصَرَ!» 42فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:
«أَبْصِرْ! إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». 43وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ،
وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَلَمَّا رَأَى جَميعُ الشَّعْبِ
ذَلِكَ، سَبَّحُوا اللهَ.
19
ثُمَّ
دَخَلَ أَرِيحَا وَاجْتَازَ فِيهَا. 2وَإِذَا هُنَاكَ رَجُلٌ اسْمُهُ
زَكَّا، رَئِيسٌ لِجُبَاةِ الضَّرَائِبِ، وَكَانَ غَنِيّاً. 3وَقَدْ سَعَى
أَنْ يَرَى مَنْ هُوَ يَسُوعُ، فَلَمْ يَقْدِرْ بِسَبَبِ الزَّحَامِ،
لأَنَّهُ كَانَ قَصيِرَ الْقَامَةِ. 4فَتَقَدَّمَ رَاكِضاً وَتَسَلَّقَ
شَجَرَةَ جُمَّيْزٍ لَعَلَّهُ يَرَى يَسُوعَ، فَقَدْ كَانَ سَيَمُرُّ مِنْ
هُنَاكَ. 5فَلَمَّا وَصَلَ يَسُوعَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، رَفَعَ
نَظَرَهُ وَرَآهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ،
لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ أُقِيمَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ!» 6فَأَسْرَعَ
وَنَزَلَ وَاسْتَقْبَلَهُ بِفَرَحٍ. 7فَلَمَّا رَأى الْجَمِيعُ ذَلِكَ،
تَذَمَّرُوا قَائِلِينَ: «قَدْ دَخَلَ لِيَبيتَ عِنْدَ رَجُلٍ خَاطِيءٍ!»
8وَلكِنَّ زَكَّا وَقَفَ وَقَالَ لِلرَّبِّ: «يَارَبُّ، هَا أَنَا أُعْطِي
نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْفُقَرَاءِ. وَإِنْ كُنْتُ قَدِ اغْتَصَبْتُ شَيْئاً
مِنْ أَحَدٍ، أَرُدُّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ!» 9فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:
«الْيَوْمَ تَمَّ الْخَلاَصُ لِهَذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضاً ابْنُ
إِبْرَاهِيمَ. 10فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِيَبْحَثَ عَنِ
الْهَالِكِينَ وَيُخَلِّصَهُمْ».
11وَبَيْنَمَا هُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى هَذَا الْكَلاَمِ، عَادَ فَضَرَبَ
مَثلاً، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْ أُورُشَلِيمَ وَكَانُوا
يَظُنُّونَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُعْلَنَ حَالاً،
12فَقَالَ: «ذَهَبَ إِنْسَانٌ نَبِيلٌ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لِيَتَسَلَّمَ
لَهُ مُلْكاً ثُمَّ يَعُودُ. 13فَاسْتَدْعَى عَبِيدَهُ الْعَشَرَةَ،
وَأَوْدَعَهُمْ عَشْرَ وَزَنَاتٍ، وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا إِلَى أَنْ
أَعُودَ. 14وَلكِنَّ أَهْلَ بَلَدِهِ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ، فَأَرْسَلُوا
فِي إِثْرِهِ وَفْداً، قَائِلِينَ: لاَ نُرِيدُ أَنْ يَمْلِكَ هَذَا
عَلَيْنَا! 15وَلَدَى عَوْدَتِهِ بَعْدَمَا تَسَلَّمَ الْمُلْكَ، أَمَرَ
أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ هَؤُلاَءِ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَوْدَعَهُمُ
الْمَالَ، لِيَعْرِفَ مَا رَبِحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتِجَارَتِهِ.
16فَتَقَدَّمَ الأَوَّلُ قَائِلاً: يَاسَيِّدُ، إِنَّ وَزْنَتَكَ رَبِحَتْ
عَشْرَ وَزْنَاتٍ! 17فَقَالَ لَهُ: حَسَناً فَعَلْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ
الصَّالِحُ. فَلأَنَّكَ كُنْتَ أَمِيناً فِي مَا هُوَ قَلِيلٌ، فَكُنْ
وَالِياً عَلَى عَشْرِ مُدُنٍ! 18وَتَقَدَّمَ الثَّانِي قَائِلاً:
يَاسَيِّدُ، إِنَّ وَزْنَتَكَ رَبِحَتْ خَمْسَ وَزْنَاتٍ! 19فَقَالَ
لِهَذَا أَيْضاً: وَكُنْ أَنْتَ وَالِياً عَلَى خَمْسِ مُدُنٍ! 20ثُمَّ
تَقَدَّمَ عَبْدٌ آخَرُ قَائِلاً: يَاسَيِّدُ، هَا هِيَ وَزْنَتُكَ الَّتِي
حَفِظْتُهَا مَطْوِيَّةً فِي مِنْدِيلٍ. 21فَقَدْ كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ
لأَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَسْتَوْفِي مَا لَمْ تَسْتَوْدِعْهُ،
وَتَحْصُدُ مَا لَمْ تَزْرَعْهُ! 22فَقَالَ لَهُ: مِنْ فَمِكَ سَأَحْكُمُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ: عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ
قَاسٍ، أَسْتَوْفِي مَا لَمْ أَسْتَوْدِعْهُ، وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَ
عْهُ. 23فَلِمَاذَا لَمْ تُودِعْ مَالِي فِي الْمَصْرِفِ، فَكُنْتُ
أَسْتَوْفِيهِ مَعَ الْفَائِدَةِ عِنْدَ عَوْدَتِي؟ 24ثُمَّ قَالَ
لِلْوَاقِفِينَ هُنَاكَ: خُذُوا مِنْهُ الْوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِصَاحِبِ
الْوَزْنَاتِ الْعَشْرِ .. 25فَقَالُوا لَهُ: يَاسَيِّدُ، إِنَّ عِنْدَهُ
عَشْرَ وَزْنَاتٍ! فَقَالَ: 26إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كُلَّ مَنْ
عِنْدَهُ يُعْطَى الْمَزِيدَ؛ وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ، فَحَتَّى
الَّذِي عِنْدَهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ. 27وَأَمَّا أَعْدَائِي أُولئِكَ
الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَحْضِرُوهُمْ إِلَى
هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي!»
28وَبَعْدَمَا قَالَ هَذَا الْكَلاَمَ، تَقَدَّمَ صَاعِداً إِلَى
أُورُشَلِيمَ. 29وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا،
عِنْدَ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ
مِنْ تَلاَمِيذِهِ، قَائِلاً: 30«اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ
الْمُقَابِلَةِ لَكُمَا، وَعِنْدَمَا تَدْخُلاَنِهَا تَجِدَانِ جَحْشاً
مَرْبُوطاً لَمْ يَرْكَبْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ، فَحُلاَّ
رِبَاطَهُ، وَأَحْضِرَاهُ إِلَى هُنَا. 31وَإِنْ سَأَلَكُمَا أَحَدٌ:
لِمَاذَا تَحُلاَّنِ رِبَاطَهُ؟ فَقُولاَ لَهُ هَكَذَا: لأَنَّ الرَّبَّ
بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ!» 32فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ اللَّذَانِ أُرْسِلاَ فِي
طَرِيقِهِمَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ الرَّبُّ لَهُمَا. 33وَفِيمَا كَانَا
يَحُلاَّنِ رِبَاطَ الْجَحْشِ، سَأَلَهُمَا أَصْحَابُهُ: «لِمَاذَا
تَحُلاَّنِ رِبَاطَ الْجَحْشِ؟» 34فَقَالاَ: «لأَنَّ الرَّبَّ بِحَاجَةٍ
إِلَيْهِ!» 35ثُمَّ أَحْضَرَاهُ إِلَى يَسُوعَ؛ وَوَضَعَا ثِيَابَهُمَا
عَلَى الْجَحْشِ وَأَرْكَبَا يَسُوعَ. 36وَبَيْنَمَا هُوَ سَائِرٌ،
أَخَذُوا يَفْرُشُونَ الطَّرِيقَ بِثِيَابِهِمْ.
37وَلَمَّا اقْتَرَبَ (مِنْ أُورُشَلِيمَ) إِذْ وَصَلَ إِلَى مُنْحَدَرِ
جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَخَذَ جَمَاعَةُ التَّلاَمِيذِ يَهْتِفُونَ جَمِيعاً
بِفَرَحٍ مُسَبِّحِينَ اللهَ بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُعْجِزَاتِ
الَّتِي شَاهَدُوهَا، 38فَيَقُولُونَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ
الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!» 39وَلكِنَّ
بَعْضَ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ قَالُوا لَهُ: «يَامُعَلِّمُ،
ازْجُرْ تَلاَمِيذَكَ!» 40فَأَجَابَهُمْ قَائِلاً: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ
سَكَتَ هَؤُلاَءِ، هَتَفَتِ الْحِجَارَةُ!»
41وَلَمَّا اقْتَرَبَ، وَرَأَى الْمَدِينَةَ، بَكَى عَلَيْهَا، 42قَائِلاً:
«لَيْتَكِ أَنْتِ أَيْضاً، فِي يَوْمِكِ هَذَا، عَرَفْتِ مَا فِيهِ
سَلاَمُكِ! وَلكِنَّ ذلِكَ مَحْجُوبٌ الآنَ عَنْ عَيْنَيْكِ. 43فَسَتَأْتِي
عَلَيْكِ أَيَّامٌ يُحَاصِرُكِ فِيهَا أَعْدَاؤُكِ بِالْمَتَارِيسِ،
وَيُطْبِقُونَ عَلَيْكِ، وَيُشَدِّدُونَ عَلَيْكِ الْحِصَارَ مِنْ كُلِّ
جِهَةٍ، 44وَيَهْدِمُونَكِ عَلَى أَبْنَائِكِ الَّذِينَ فِيكِ، فَلاَ
يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَراً فَوْقَ حَجَرٍ: لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي وَقْتَ
افْتِقَادِ اللهِ لَكِ».
45وَلَدَى دُخُولِهِ الْهَيْكَلَ، أَخَذَ يَطْرُدُ الَّذِينَ كَانُوا
يَبِيعُونَ فِيهِ وَيَشْتَرُونَ، 46قَائِلاً لَهُمْ: «قَدْ كُتِبَ: إِنَّ
بَيْتِي هُوَ بَيْتٌ لِلصَّلاَةِ. أَمَّا أَنْتُمْ، فَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ
مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»
47وَكَانَ يُعَلِّمُ يَوْماً فَيَوْماً فِي الْهَيْكَلِ. وَسَعَى رُؤَسَاءُ
الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَوُجَهَاءُ الشَّعْبِ إِلَى قَتْلِهِ.
48وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ
كُلَّهُ كَانَ مُلْتَصِقاً بِهِ لِلاِسْتِمَاعِ إِلَيْهِ.
20
وَفِيمَا كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ ذَاتَ يَوْمٍ،
وَيُبَشِّرُ، تَصَدَّى لَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ
الشُّيُوخِ، 2وَخَاطَبُوهُ قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا بِأَيَّةِ سُلْطَةٍ
تَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ؟ أَوْ مَنْ مَنَحَكَ هَذِهِ السُّلْطَةَ؟»
3فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: «وَأَنَا أَيْضاً أَسْأَلُكُمْ أَمْراً
وَاحِداً، فَأَجِيبُونِي عَنْهُ: 4أَمِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ
مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا أَمْ مِنَ النَّاسِ؟» 5فَتَشَاوَرُوا فِيمَا
بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ:
وَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ 6وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ،
يَرْجُمُنَا الشَّعْبُ كُلُّهُ، لأَنَّهُمْ مُقْتَنِعُونَ أَنَّ يُوحَنَّا
كَانَ نَبِيّاً». 7فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ
هِيَ. 8فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «وَأَنَا لاَ أَقُولُ لَكُمْ بِأَيَّةِ
سُلْطَةٍ أَفْعَلُ مَا فَعَلْتُ!»
9وَأَخَذَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ بِهَذَا الْمَثَلِ: «غَرَسَ إِنْسَانٌ
كَرْماً وَسَلَّمَهُ إِلَى مُزَارِعِينَ، وَسَافَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً.
10وَفِي مَوْسِمِ الْقِطَافِ أَرْسَلَ إِلَى الْمُزَارِعِينَ عَبْداً،
لِكَيْ يُعْطُوهُ مِنْ ثَمَرِ الْكَرْمِ. وَلكِنَّ الْمُزَارِعِينَ
ضَرَبُوهُ وَرَدُّوهُ فَارِغَ الْيَدَيْنِ. 11فَعَادَ وَأَرْسَلَ عَبْداً
آخَرَ. إِلاَّ أَنَّهُمْ ضَرَبُوهُ أَيْضاً وَأَهَانُوهُ وَرَدُّوهُ
فَارِغَ الْيَدَيْنِ. 12ثُمَّ عَادَ وَأَرْسَلَ عَبْداً ثَالِثاً،
فَجَرَّحُوهُ وَطَرَحُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ. 13فَقَالَ رَبُّ الْكَرْمِ:
مَاذَا أَفْعَلُ؟ سَأُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ، لَعَلَّهُمْ يَهَابُونَهُ!
14وَلكِنْ مَا إِنْ رَآهُ الْمُزَارِعُونَ، حَتَّى تَشَاوَرُوا فِيمَا
بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: هَذَا هُوَ الْوَرِيثُ. فَلْنَقْتُلْهُ لِيَصِيرَ
الْمِيرَاثُ لَنَا. 15فَطَرَحُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. فَمَاذَا
إِذَنْ يَفْعَلُ رَبُّ الْكَرْمِ بِهِمْ؟ 16إِنَّهُ يَأْتِي وَيُهْلِكُ
أُولئِكَ الْمُزَارِعِينَ، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى غَيْرِهِمْ».
فَلَمَّا سَمِعُوا ذلِكَ، قَالُوا «حَاشَا!» 17وَلكِنَّهُ نَظَرَ
إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِذَنْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ الْمَكْتُوبَةِ:
الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبُنَاةُ، هُوَ نَفْسُهُ صَارَ حَجَرَ
الزَّاوِيَةِ؟ 18مَنْ يَقَعُ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ يَتَكَسَّرُ، وَمَنْ
يَقَعُ الْحَجَرُ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ سَحْقاً؟» 19فَسَعَى رُؤَسَاءُ
الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ إِلَى إلْقَاءِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ
السَّاعَةِ عَيْنِهَا، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ، فَقَدْ أَدْرَكُوا
أَنَّهُ عَنَاهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ.
20فَجَعَلُوا يُرَاقِبُونَهُ، وَبَثُّوا حَوْلَهُ جَوَاسِيسَ
يَتَظَاهَرُونَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ
يَقُولُهَا، فَيُسَلِّمُوهُ إِلَى قَضَاءِ الْحَاكِمِ وَسُلْطَتِهِ.
21فَقَالُوا يَسْأَلُونَهُ: «يَامُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ
وَتُعَلِّمُ بِالصِّدْقِ، فَلاَ تُرَاعِي مَقَامَاتِ النَّاسِ، بَلْ
تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ بِالْحَقِّ: 22أَفَيَحِلُّ لَنَا أَنْ نَدْفَعَ
الْجِزْيَةَ لِلْقَيْصَرِ، أَمْ لاَ؟» 23فَأَدْرَكَ مَكْرَهُمْ، وَقَالَ
لَهُمْ: 24«أَرُونِي دِينَاراً: لِمَنِ الصُّورَةُ وَالنَّقْشُ عَلَيْهِ؟»
فَأَجَابُوا: «لِلْقَيْصَرِ!» 25فَقَالَ لَهُمْ: «إِذَنْ، أَعْطُوا مَا
لِلْقَيْصَرِ لِلْقَيْصَرِ،
وَمَا لِلهِ لِلهِ».
26فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الإِيقَاعِ بِهِ أَمَامَ الشَّعْبِ بِكَلِمَةٍ
يَقُولُهَا، فَسَكَتُوا مَدْهُوشِينَ مِمَّا سَمِعُوا.
27وَتَصَدَّى لَهُ بَعْضُ الصَّدُّوقِيِّينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَمْرَ
الْقِيَامَةِ، وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: 28«يَامُعَلِّمُ، كَتَبَ لَنَا
مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ مُتَزَوِّجٌ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ،
فَعَلَى أَخِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْمَلَتِهِ وَيُقِيمَ نَسْلاً عَلَى
اسْمِ أَخِيهِ. 29فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ، اتَّخَذَ
أَوَّلُهُمْ زَوْجَةً ثُمَّ مَاتَ دُونَ وَلَدٍ، 30فَتَزَوَّجَ الثَّانِي
بِالأَرْمَلَةِ، 31ثُمَّ اتَّخَذَهَا الثَّالِثُ ... حَتَّى تَزَوَّجَ
بِهَا السَّبْعَةُ وَمَاتُوا دُونَ أَنْ يُخَلِّفُوا وَلَداً. 32وَمِنْ
بَعْدِهِمْ جَمِيعاً مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضاً. 33فَفِي الْقِيَامَةِ
لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ زَوْجَةً، فَقَدْ كَانَتْ زَوْجَةً
لِكُلٍّ مِنَ السَّبْعَةِ».
34فَرَدَّ عَلَيْهِمْ يَسُوعُ قَائِلاً: «أَبْنَاءُ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ
يُزَوِّجُونَ وَيُزَوَّجُونَ. 35أَمَّا الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً
لِلْمُشَارَكَةِ فِي الزَّمَانِ الآتِي وَالْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ
الأَمْوَاتِ، فَلاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ. 36إِذْ لاَ يُمْكِنُ
أَنْ يَمُوتُوا أَيْضاً بَعْدَ ذَلِكَ، لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَ
الْمَلاَئِكَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ لِكَوْنِهِمْ أَبْنَاءَ
الْقِيَامَةِ. 37وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ، فَحَتَّى مُوسَى
أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْعُلَّيْقَةِ، حَيْثُ يَدْعُو
الرَّبَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ إِسْحقَ وَإِلهَ يَعْقُوبَ.
38وَلكِنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ هُوَ إِلهُ أَحْيَاءٍ،
فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَحْيَوْنَ لَدَيْهِ!» 39فَقَالَ بَعْضُ الْكَتَبَةِ:
«يَامُعَلِّمُ، أَحْسَنْتَ الْكَلاَمَ!» 40وَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ بَعْدَ
ذَلِكَ أَنْ يَسْأَلَهُ شَيْئاً.
41وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ،
42فِيمَا يَقُولُ دَاوُدُ نَفْسُهُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ
الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 43حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ
مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ 44إِذَنْ، دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً، فَكَيْفَ
يَكُونُ
ابْنَهُ؟»
45وَفِيمَا كَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يُصْغُونَ، قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ:
46«احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ التَّجَوُّلَ
بِالأَثْوَابِ الْفَضْفَاضَةِ، وَيُحِبُّونَ تَلَقِّي التَّحِيَّاتِ فِي
السَّاحَاتِ الْعَامَّةِ، وَصُدُورَ الْمَجَالِسِ فِي الْمَجَامِعِ،
وَأَمَاكِنَ الصَّدَارَةِ فِي الْوَلاَئِمِ؛ 47يَلْتَهِمُونَ بُيُوتَ
الأَرَامِلِ وَيَتَذَرَّعُونَ بِإِطَالَةِ الصَّلَوَاتِ. هَؤُلاَءِ
سَتَنْزِلُ بِهِمْ دَيْنُونَةٌ أَقْسَى!»
21
وَتَطَلَّعَ فَرَأَى الأَغْنِيَاءَ يُلْقُونَ تَقْدِمَاتِهِمْ فِي
صُنْدُوقِ الْهَيْكَلِ. 2وَرَأَى أَيْضاً أَرْمَلَةً فَقِيرَةً تُلْقِي
فِيهِ فَلْسَيْنِ. 3فَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذِهِ
الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعاً.
4لأَنَّ هَؤُلاَءِ جَمِيعاً قَدْ أَلْقَوْا فِي التَّقْدِمَاتِ مِنَ
الْفَائِضِ عَنْهُمْ. وَأَمَّا هِيَ، فَمِنْ حَاجَتِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا
تَمْلِكُهُ لِمَعِيشَتِهَا!»
5وَإِذْ تَحَدَّثَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْهَيْكَلِ بِأَنَّهُ مُزَيَّنٌ
بِالْحِجَارَةِ الْجَمِيلَةِ وَتُحَفِ النُّذُورِ، 6قَالَ: «إِنَّ هَذَا
الَّذِي تَرَوْنَهُ، سَتَأْتِي أَيَّامٌ لاَ يَبْقَى فِيهَا حَجَرٌ مِنْهُ
فَوْقَ حَجَرٍ إِلاَّ وَيُهْدَمُ». 7فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ:
«يَامُعَلِّمُ، مَتَى يَحْدُثُ هَذَا؟ وَمَا هِيَ الْعَلاَمَةُ الَّتِي
تَظْهَرُ حِينَ يَقْتَرِبُ وُقُوعُهُ؟» 8فَقَالَ: «انْتَبِهُوا! لاَ
تَضِلُّوا! فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ إِنِّي
أَنَا هُوَ وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اقْتَرَبَ: فَلاَ تَتْبَعُوهُمْ!
9وَعِنْدَمَا
تَسْمَعُونَ
بِالْحُرُوبِ وَالاَِضْطِرَابَاتِ، فَلاَ تَرْتَعِبُوا، لأَنَّ هَذِهِ
الأُمُورَ لاَبُدَّ مِنْ حُدُوثِهَا أَوَّلاً، وَلكِنَّ النِّهَايَةَ لاَ
تَأْتِي حَالاً بَعْدَهَا!»
10ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «سَتَنْقَلِبُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ
عَلَى مَمْلَكَةٍ، 11وَتَحْدُثُ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ زَلازِلُ شَدِيدَةٌ
وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ، وَتَظْهَرُ عَلاَمَاتٌ مُخِيفَةٌ وَآيَاتٌ
عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. 12وَلكِنْ قَبْلَ هَذِهِ الأُمُورِ كُلِّهَا
يَمُدُّ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ،
فَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالسُّجُونِ، وَيَسُوقُونَكُمْ
لِلْمُثُولِ أَمَامَ الْمُلُوكِ وَالْحُكَّامِ، مِنْ أَجْلِ اسْمِي.
13وَلكِنَّ ذلِكَ سَيُتِيحُ لَكُمْ فُرْصَةً لِلشَّهَادَةِ. 14فَضَعُوا فِي
قُلُوبِكُمْ أَلاَّ تُعِدُّوا دِفَاعَكُمْ مُسْبَقاً، 15لأَنِّي سَوْفَ
أُعْطِيكُمْ كَلاَماً وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُقَاوِمِيكُمْ أَنْ
يَرُدُّوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا. 16وَسَوْفَ يُسَلِّمُكُمْ حَتَّى
الْوَالِدُونَ وَالإِخْوَةُ وَالأَقْرِبَاءُ وَالأَصْدِقَاءُ،
وَيَقْتُلُونَ بَعْضاً مِنْكُمْ، 17وَتَكُونُونَ مَكْرُوهِينَ لَدَى
الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. 18وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ
تَهْلِكُ الْبَتَّةَ. 19فَبِاحْتِمَالِكُمْ تَرْبَحُونَ أَنْفُسَكُمْ!
20وَعِنْدَمَا تَرَوْنَ أُورُشَلِيمَ مُحَاصَرَةً بِالْجُيُوشِ،
فَاعْلَمُوا أَنَّ خَرَابَهَا قَدِ اقْتَرَبَ. 21عِنْدَئِذٍ، لِيَهْرُبِ
الَّذِينَ فِي مِنْطَقَةِ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَلْيَرْحَلْ
مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْ هُمْ فِيهَا، وَلاَ يَدْخُلْهَا مَنْ هُمْ فِي
الأَرْيَافِ: 22فَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ انْتِقَامٍ يَتِمُّ
فِيهَا كُلُّ مَا قَدْ كُتِبَ. 23وَلكِنَّ الْوَيْلُ لِلْحَبَالَى
وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، لأَنَّ ضِيقَةً عَظِيمَةً سَوْفَ
تَقَعُ عَلَى الأَرْضِ وَغَضَباً شَدِيداً سَيَنْزِلُ بِهَذَا الشَّعْبِ،
24فَيَسْقُطُونَ بِحَدِّ السَّيْفِ وَيُسَاقُونَ أَسْرَى إِلَى جَمِيعِ
الأُمَمِ، وَتَبْقَى أُورُشَلِيمُ تَدُوسُهَا الأُمَمُ إِلَى أَنْ
تَكْتَمِلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ.
25وَسَتَظْهَرُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ،
وَتَكُونُ عَلَى الأَرْضِ ضِيقَةٌ عَلَى الأُمَمِ الْوَاقِعَةِ فِي
حَيْرَةٍ، لأَنَّ الْبَحْرَ وَالأَمْوَاجَ تَعِجُّ وَتَجِيشُ، 26وَيُغْمَى
عَلَى النَّاسِ مِنَ الرُّعْبِ وَمِنْ تَوَقُّعِ مَا سَوْفَ يَجْتَاحُ
الْمَسْكُونَةَ، إِذْ تَتَزَعْزَعُ قُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ. 27عِنْدَئِذٍ
يَرَوْنَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً فِي السَّحَابِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ
عَظِيمٍ. 28وَلكِنْ عِنْدَمَا تَبْدَأُ هَذِهِ الأُمُورُ تَحْدُثُ،
فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ فِدَاءَكُمْ يَقْتَرِبُ».
29وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً: «انْظُرُوا إِلَى التِّينَةِ وَبَاقِي
الأَشْجَارِ! 30عِنْدَمَا تَرَوْنَهَا قَدْ أَوْرَقَتْ تَعْلَمُونَ مِنْ
تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ أَنَّ الصَّيْفَ بَاتَ قَرِيباً. 31فَهكَذَا
أَنْتُمْ أَيْضاً، عِنْدَمَا تَرَوْنَ هَذِهِ الأُمُورَ حَادِثَةً،
فَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ بَاتَ قَرِيباً. 32الْحَقَّ أَقُولُ
لَكُمْ: لاَ يَزُولُ هَذَا الْجِيلُ أَبَداً حَتَّى تَحْدُثَ هَذِهِ
كُلُّهَا. 33إِنَّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي
لاَ يَزُولُ أَبَداً.
34وَلكِنْ احْذَرُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَتَثَقَّلَ قُلُوبُكُمْ
بِالاِنْغِمَاسِ فِي اللَّذَّاتِ وَبِالسُّكْرِ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ،
فَيَدْهَمَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ فَجْأَةً؛ 35فَإِنَّهُ سَوْفَ يُطْبِقُ
كَالْفَخِّ عَلَى جَمِيعِ السَّاكِنِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ كُلِّهَا.
36فَاسْهَرُوا إِذَنْ وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تَتَمَكَّنُوا
مِنْ أَنْ تَنْجُوا مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هِيَ عَلَى
وَشْكِ أَنْ تَحْدُثَ، وَتَقِفُوا أَمَامَ ابْنِ الإِنْسَانِ».
37وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ
يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الزَّيْتُونِ.
38وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يُبَكِّرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَيْكَلِ
لِيَسْتَمِعُوا إِلَيْهِ.
22
وَاقْتَرَبَ عِيدُ الْفَطِيرِ، الْمَعْرُوفُ بِالْفِصْحِ 2وَمَازَالَ
رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَسْعَوْنَ كَيْ يَقْتُلُوا يَسُوعَ،
لأَنَّهُمْ كَانُوا خَائِفِينَ مِنَ الشَّعْبِ.
3وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الْمُلَقَّبِ بِالإِسْخَرْيُوطِيِّ،
وَهُوَ فِي عِدَادِ الاِثْنَيْ عَشَرَ. 4فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ
رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ حَرَسِ الْهَيْكَلِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ
إِلَيْهِمْ. 5فَفَرِحُوا، وَاتَّفَقُوا أَنْ يُعْطُوهُ بَعْضَ الْمَالِ.
6فَرَضِىَ، وَأَخَذَ يَتَحَيَّنُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ
بَعِيداً عَنِ الْجَمْعِ.
7وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ
(حَمَلُ) الْفِصْحِ. 8فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلاً: «اذْهَبَا
وَجَهِّزَا لَنَا الْفِصْحَ، لِنَأْكُلَ!» 9فَسَأَلاَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ
أَنْ نُجَهِّزَ؟» 10فَقَالَ لَهُمَا: «حَالَمَا تَدْخُلاَنِ الْمَدِينَةَ،
يُلاَقِيكُمَا إِنْسَانٌ يَحْمِلُ جَرَّةَ مَاءٍ، فَالْحَقَا بِهِ إِلَى
الْبَيْتِ الَّذِي يَدْخُلُهُ. 11وَقُولاَ لِرَبِّ ذلِكَ الْبَيْتِ:
يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ غُرْفَةُ الضُّيُوفِ الَّتِي آكُلُ
فِيهَا (حَمَلَ) الْفِصْحِ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ 12فَيُرِيكُمَا غُرْفَةً فِي
الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا، كَبِيرَةً وَمَفْرُوشَةً. هُنَاكَ تُجَهِّزَانِ!»
13فَانْطَلَقَا، وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، وَجَهَّزَا الْفِصْحَ.
14وَلَمَّا حَانَتِ السَّاعَةُ، اتَّكَأَ وَمَعَهُ الرُّسُلُ، 15وَقَالَ
لَهُمْ: «اشْتَهَيْتُ بِشَوْقٍ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ
أَنْ أَتَأَلَّمَ. 16فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: لَنْ آكُلَ مِنْهُ بَعْدُ،
حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ». 17وَإِذْ تَنَاوَلَ كَأْساً
وَشَكَرَ، قَالَ: «خُذُوا هَذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ. 18فَإِنِّي
أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى
يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ!» 19وَإِذْ أَخَذَ رَغِيفاً، شَكَرَ، وَكَسَّرَ،
وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «هَذَا جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ لأَجْلِكُمْ.
هَذَا افْعَلُوهُ لِذِكْرِي!» 20وَكَذلِكَ أَخَذَ الْكَأْسَ أَيْضاً بَعْدَ
الْعَشَاءِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي
الَّذِي يُسْفَكُ لأَجْلِكُمْ. 21ثُمَّ إِنَّ يَدَ الَّذِي يُسَلِّمُنِي
هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ. 22فَابْنُ الإِنْسَانِ لابُدَّ أَنْ
يَمْضِيَ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنِ الْوَيْلُ لِذلِكَ الرَّجُلِ
الَّذِي يُسَلِّمُهُ!» 23فَأَخَذُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ:
مَنْ مِنْهُمْ يُوشِكُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا.
24وَقَامَ بَيْنَهُمْ أَيْضاً جِدَالٌ فِي أَيُّهُمْ يُحْسَبُ الأَعْظَمَ.
25فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُلُوكَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَصْحَابَ
السُّلْطَةِ عِنْدَهُمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ. 26وَأَمَّا أَنْتُمْ،
فَلاَ يَكُنْ ذلِكَ بَيْنَكُمْ، بَلْ لِيَكُنِ الأَعْظَمُ بَيْنَكُمْ
كَالأَصْغَرِ، وَالْقَائِدُ كَالْخَادِمِ. 27فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ: الَّذِي
يَتَّكِيءُ أَمِ الَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِيءُ؟ وَلكِنِّي
أَنَا فِي وَسَطِكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ. 28أَنْتُمْ هُمُ الَّذِينَ
صَمَدُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي. 29وَأَنَا أُعَيِّنُ لَكُمْ، كَمَا عَيَّنَ
لِي أَبِي، مَلَكُوتاً، 30لِكَيْ تَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي
فِي مَلَكُوتِي، وَتَجْلِسُوا عَلَى عُرُوشٍ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ
إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ.
31وَقَالَ الرَّبُّ «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ! هَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَمَا يُغَرْبَلُ الْقَمْحُ، 32وَلكِنِّي
تَضَرَّعْتُ لأَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَخِيبَ إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ، بَعْدَ
أَنْ تُسْتَرَدَّ، ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ». 33فَقَالَ لَهُ: «يَارَبُّ، إِنِّي
مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَذْهَبَ مَعَكَ إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ
مَعاً!» 34فَقَالَ: «إِنِّي أَقُولُ لَكَ يَابُطْرُسُ إِنَّ الدِّيكَ لاَ
يَصِيحُ الْيَوْمَ حَتَّى تَكُونَ قَدْ أَنْكَرْتَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ
أَنَّكَ تَعْرِفُنِي!»
35ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ صُرَّةِ مَالٍ وَلاَ
كِيسِ زَادٍ وَلاَ حِذَاءٍ، هَلِ احْتَجْتُمْ إِلَى شَيْءٍ؟» فَقَالُوا:
«لاَ!» 36فَقَالَ لَهُمْ: «أَمَّا الآنَ، فَمَنْ عِنْدَهُ صُرَّةُ مَالٍ،
فَلْيَأْخُذْهَا؛ وَكَذلِكَ مَنْ عِنْدَهُ حَقِيبَةُ زَادٍ. وَمَنْ لَيْسَ
عِنْدَهُ، فَلْيَبِعْ رِدَاءَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً. 37فَإِنِّي أَقُولُ
لَكُمْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي كُتِبَ عُدَّ مَعَ الْمُجْرِمِينَ لاَبُدَّ
أَنْ يَتِمَّ فِيَّ، لأَنَّ كُلَّ نُبُوءَةٍ تَخْتَصُّ بِي لَهَا
إِتْمَامٌ!» 38فَقَالُوا: «يَارَبُّ هَا هُنَا سَيْفَانِ». فَقَالَ لَهُمْ:
«كَفَى!»
يسوع
يصلي في جبل الزيتون
39ثُمَّ انْطَلَقَ وَذَهَبَ كَعَادَتِهِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ،
وَتَبِعَهُ التَّلاَمِيذُ أَيْضاً. 40وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَكَانِ،
قَالَ لَهُمْ: «صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ».
41وَابْتَعَدَ عَنْهُمْ مَسَافَةً تُقَارِبُ رَمْيَةَ حَجَرٍ، وَرَكَعَ
يُصَلِّي 42قَائِلاً: «يَاأَبِي، إِنْ شِئْتَ أَبْعِدْ عَنِّي هَذِهِ
الْكَأْسَ. وَلكِنْ، لِتَكُنْ لاَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ».
43وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُشَدِّدُهُ. 44وَإِذْ كَانَ فِي
صِرَاعٍ، أَخَذَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ إِلْحَاحٍ؛ حَتَّى إِنَّ عَرَقَهُ
صَارَ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. 45ثُمَّ قَامَ مِنَ
الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ، فَوَجَدَهُمْ نَائِمِينَ مِنَ
الْحُزْنِ. 46فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ نَائِمِينَ؟ قُومُوا
وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ!»
47وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا جَمْعٌ يَتَقَدَّمُهُمُ الْمَدْعُوُّ
يَهُوذَا، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ. فَتَقَدَّمَ إِلَى
يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ. 48فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَايَهُوذَا،
أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟»
49فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَا يُوشِكُ أَنْ يَحْدُثَ، قَالُوا:
«يَارَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟»
50وَضَرَبَ أَحَدُهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذُنَهُ
الْيُمْنَى. 51فَأَجَابَ يَسُوعُ قَائِلاً: «قِفُوا عِنْدَ هَذَا
الْحَدِّ!» وَلَمَسَ أُذُنَهُ فَشَفَاهُ.
52وَقَالَ يَسُوعُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ حَرَسِ الْهَيْكَلِ
وَالشُّيُوخِ، الَّذِينَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ: «أَكَمَا عَلَى لِصٍّ
خَرَجْتُمْ بِالسُّيُوفِ وَالْعِصِيِّ؟ 53عِنْدَمَا كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ
يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، لَمْ تَمُدُّوا أَيْدِيَكُمْ عَلَيَّ. وَلكِنَّ
هَذِهِ السَّاعَةَ لَكُمْ، وَالسُّلْطَةُ الآنَ لِلظَّلاَمِ!»
54وَإِذْ قَبَضُوا عَلَيْهِ، سَاقُوهُ حَتَّى دَخَلُوا بِهِ قَصْرَ رَئِيسِ
الْكَهَنَةِ. وَتَبِعَهُ بُطْرُسُ مِنْ بَعِيدٍ.
55وَلَمَّا أُشْعِلَتْ نَارٌ فِي سَاحَةِ الدَّارِ وَجَلَسَ بَعْضُهُمْ
حَوْلَهَا، جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ. 56فَرَأَتْهُ خَادِمَةٌ جَالِساً
عِنْدَ الضَّوْءِ، فَدَقَّقَتِ النَّظَرَ فِيهِ، وَقَالَتْ: «وَهَذَا كَانَ
مَعَهُ!» 57وَلكِنَّهُ أَنْكَرَ قَائِلاً: «يَاامْرَأَةُ، لَسْتُ
أَعْرِفُهُ!» 58وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ رَآهُ آخَرُ فَقَالَ: «وَأَنْتَ
مِنْهُمْ!» وَلكِنَّ بُطْرُسَ قَالَ: «يَاإِنْسَانُ، لَيْسَ أَنَا!»
59وَبَعْدَ مُضِيِّ سَاعَةٍ تَقْرِيباً، قَالَ آخَرُ مُؤَكِّداً: «حَقّاً
إِنَّ هَذَا كَانَ مَعَهُ أَيْضاً، لأَنَّهُ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ!»
60فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَاإِنْسَانُ، لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولُ!» وَفِي
الْحَالِ وَهُوَ مَازَالَ يَتَكَلَّمُ، صَاحَ الدِّيكُ. 61فَالْتَفَتَ
الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ. فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلِمَةَ الرَّبِّ
إِذْ قَالَ لَهُ: «قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تَكُونُ قَدْ
أَنْكَرْتَنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». 62وَانْطَلَقَ إِلَى الْخَارِجِ، وَبَكَى
بُكَاءً مُرّاً.
63أَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ يَسُوعَ، فَقَدْ
أَخَذُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَضْرِبُونَهُ، 64وَيُغَطُّونَ وَجْهَهُ
وَيَسْأَلُونَهُ: «تَنَبَّأْ! مَنِ الَّذِي ضَرَبَكَ؟» 65وَوَجَّهُوا
إِلَيْهِ شَتَائِمَ أُخْرَى كَثِيرَةً.
66وَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ، اجْتَمَعَ مَجْلِسُ شُيُوخِ الشَّعْبِ
الْمُؤَلَّفُ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَسَاقُوهُ
أَمَامَ مَجْلِسِهِمْ. 67وَقَالُوا: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ،
فَقُلْ لَنَا!» فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ، لاَ تُصَدِّقُونَ،
68وَإِنْ سَأَلْتُكُمْ، لاَ تُجِيبُونَنِي. 69إِلاَّ أَنَّ ابْنَ
الإِنْسَانِ مِنَ الآنَ سَيَكُونُ جَالِساً عَنْ يَمِينِ قُدْرَةِ اللهِ!»
70فَقَالُوا كُلُّهُمْ: «أَأَنْتَ إِذَنِ ابْنُ اللهِ؟» قَالَ لَهُمْ:
«أَنْتُمْ قُلْتُمْ، إِنِّي أَنَا هُوَ!» 71فَقَالُوا: «أَيَّةُ حَاجَةٍ
بِنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ فَهَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا (شَهَادَةً) مِنْ
فَمِهِ !»
23
فَقَامَتْ جَمَاعَتُهُمْ كُلُّهَا، وَسَاقُوا يَسُوعَ إِلَى بِيلاَطُسَ.
2وَبَدَأُوا يَتَّهِمُونَهُ قَائِلِينَ: «تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ هَذَا
يُضَلِّلُ أُمَّتَنَا، وَيَمْنَعُ أَنْ تُدْفَعَ الْجِزْيَةُ لِلْقَيْصَرِ
وَيَدَّعِي أَنَّهُ الْمَسِيحُ الْمَلِكُ!» 3فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ:
«أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَأَجَابَهُ: «أَنْتَ قُلْتَ!» 4فَقَالَ
بِيلاَطُسُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْجُمُوعِ: «لاَ أَجِدُ ذَنْباً فِي
هَذَا الإِنْسَانِ!» 5وَلَكِنَّهُمْ أَلَحُّوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ
يُثِيرُ الشَّعْبَ، مُعَلِّماً فِي الْيَهُودِيَّةِ كُلِّهَا، ابْتِدَاءً
مِنَ الْجَلِيلِ حَتَّى هُنَا!» 6فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ ذِكْرَ
الْجَلِيلِ، اسْتَفْسَرَ: «هَلِ الرَّجُلُ مِنَ الْجَلِيلِ؟». 7وَإِذْ
عَلِمَ أَنَّهُ تَابِعٌ لِسُلْطَةِ هِيرُودُسَ، أَحَالَهُ عَلَى
هِيرُودُسَ، إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضاً فِي أُورُشَلِيمَ فِي تِلْكَ
الأَيَّامِ.
8وَلَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ يَسُوعَ، فَرِحَ جِدّاً، لأَنَّهُ كَانَ
يَتَمَنَّى مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ
الْكَثِيرَ عَنْهُ، وَيَرْجُو أَنْ يَرَى آيَةً تُجْرَى عَلَى يَدِهِ.
9فَسَأَلَهُ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ، أَمَّا هُوَ فَلَمْ يُجِبْهُ عَنْ
شَيْءٍ. 10وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَتَّهِمُونَهُ
بِعُنْفٍ. 11فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ وَجُنُودُهُ، وَسَخِرَ مِنْهُ، إِذْ
أَلْبَسَهُ ثَوْباً بَرَّاقاً وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. 12وَصَارَ
بِيلاَطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ كَانَتْ
بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ سَابِقَةٌ.
13فَدَعَا بِيلاَطُسُ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْقُوَّادَ وَالشَّعْبَ.
14وَقَالَ لَهُمْ: «أَحْضَرْتُمْ إِلَيَّ هَذَا الإِنْسَانَ عَلَى أَنَّهُ
يُضَلِّلُ الشَّعْبَ. وَهَا أَنَا، بَعْدَمَا فَحَصْتُ الأَمْرَ
أَمَامَكُمْ، لَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الإِنْسَانِ أَيَّ ذَنْبٍ مِمَّا
تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، 15وَلاَ وَجَدَ هِيرُودُسُ أَيْضاً، إِذْ رَدَّهُ
إِلَيْنَا. وَهَا إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً يَسْتَوْجِبُ الْمَوْتَ.
16فَسَأَجْلِدُهُ إِذَنْ وَأُطْلِقُهُ. 17وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ
لَهُمْ فِي كُلِّ عِيدٍ سَجِيناً وَاحِداً. 18وَلَكِنَّهُمْ صَرَخُوا
بِجُمْلَتِهِمْ: «اقْتُلْ هَذَا، وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ!» 19وَكَانَ
ذَاكَ قَدْ أُلْقِيَ فِي السِّجْنِ بِسَبَبِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ فِي
الْمَدِينَةِ وَبِسَبَبِ قَتْلٍ. 20فَخَاطَبَهُمْ بِيلاَطُسُ ثَانِيَةً
وَهُوَ رَاغِبٌ فِي إِطْلاَقِ يَسُوعَ. 21فَرَدُّوا صَارِخِينَ:
«اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!» 22فَسَأَلَهُمْ ثَالِثَةً: «فَأَيَّ شَرٍّ فَعَلَ
هَذَا؟ لَمْ أَجِدْ فِيهِ ذَنْباً عُقُوبَتُهُ الْمَوْتُ. فَسَأَجْلِدُهُ
إِذَنْ وَأُطْلِقُهُ!» 23فَأَخَذُوا يُلِحُّونَ صَارِخِينَ بِأَصْوَاتٍ
عَالِيَةٍ، طَالِبِينَ أَنْ يُصْلَبَ! فَتَغَلَّبَتْ أَصْوَاتُهُمْ،
24وَحَكَمَ بِيلاَطُسُ أَنْ يُنَفَّذَ طَلَبُهُمْ. 25فَأَطْلَقَ الَّذِي
كَانَ قَدْ أُلْقِيَ فِي السِّجْنِ بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ وَالْقَتْلِ،
ذَاكَ الَّذِي طَلَبُوا إِطْلاَقَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَسَلَّمَهُ إِلَى
إِرَادَتِهِمْ.
26وَفِيمَا هُمْ يَسُوقُونَهُ (إِلَى الصَّلْبِ)، أَمْسَكُوا رَجُلاً مِنَ
الْقَيْرَوَانِ اسْمُهُ سِمْعَانُ، كَانَ رَاجِعاً مِنَ الْحَقْلِ،
وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ. 27وَقَدْ
تَبِعَهُ جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنْ نِسَاءٍ كُنَّ يُوَلْوِلْنَ
وَيَنْدُبْنَهُ. 28فَالْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ، وَقَالَ: «يَابَنَاتِ
أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيِّ، بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ
وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ! 29فَهَا إِنَّ أَيَّاماً سَتَأْتِي فِيهَا يَقُولُ
النَّاسُ: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ اللَّوَاتِي مَا حَمَلَتْ بُطُونُهُنَّ
وَلاَ أَرْضَعَتْ أَثْدَاؤُهُنَّ! 30عِنْدَئِذٍ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ:
اسْقُطِي عَلَيْنَا، وَلِلتِّلاَلِ: غَطِّينَا! 31فَإِنْ كَانُوا قَدْ
فَعَلُوا هَذَا بِالْغُصْنِ الأَخْضَرِ، فَمَاذَا يَجْرِي لِلْيَابِسِ؟»
32وَسِيقَ إِلَى الْقَتْلِ مَعَ يَسُوعَ أَيْضاً اثْنَانِ مِنَ
الْمُجْرِمِينَ.
33وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُدْعَى الْجُمْجُمَةَ،
صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُجْرِمَيْنِ، أَحَدَهُمَا عَنِ الْيَمِينِ
وَالآخَرَ عَنِ اليَسَارِ. 34وَقَالَ يَسُوعُ: «يَاأَبِي، اغْفِرْ لَهُمْ،
لأَنَّهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا يَفْعَلُونَ!» وَاقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ
مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا.
35وَوَقَفَ الشَّعْبُ هُنَاكَ يُرَاقِبُونَهُ، وَكَذلِكَ الرُّؤَسَاءُ
يَتَهَكَّمُونَ قَائِلِينَ: «خَلَّصَ آخَرِينَ! فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ
إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ اللهِ!» 36وَسَخِرَ مِنْهُ
الْجُنُودُ أَيْضاً، فَكَانُوا يَتَقَدَّمُونَ إِلَيْهِ وَيُقَدِّمُونَ
لَهُ خَلًّا، 37قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ،
فَخَلِّصْ نَفْسَكَ» 38وَكَانَ مُعَلَّقاً فَوْقَهُ لاَفِتَةٌ كُتِبَ
فِيهَا: «هَذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ». 39وَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنَ
الْمُجْرِمَيْنِ الْمَصْلُوبَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: «أَلَسْتَ
أَنْتَ الْمَسِيحَ؟ إِذَنْ خَلِّصْ نَفْسَكَ وَخَلِّصْنَا!» 40وَلكِنَّ
الآخَرَ كَلَّمَهُ زَاجِراً فَقَالَ: «أَحَتَّى أَنْتَ لاَ تَخَافُ اللهَ ،
وَأَنْتَ تُعَانِي الْعُقُوبَةَ نَفْسَهَا؟ 41أَمَّا نَحْنُ فَعُقُوبَتُنَا
عَادِلَةٌ لأَنَّنَا نَنَالُ الْجَزَاءَ الْعَادِلَ لِقَاءَ مَا فَعَلْنَا.
وَأَمَّا هَذَا الإِنْسَانُ، فَلَمْ يَفْعَلُ شَيْئاً فِي غَيْرِ
مَحَلِّهِ!» 42ثُمَّ قَالَ: «يَايَسُوعُ، اذْكُرْنِي عِنْدَمَا تَجِيءُ فِي
مَلَكُوتِكَ!» 43فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: الْيَوْمَ
سَتَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ!»
44وَنَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ظُهْراً)،
حَلَّ الظَّلاَمُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ
(الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ). 45وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَطَرَ
سِتَارُ الْهَيْكَلِ مِنَ الوَسَطِ. 46وَقَالَ يَسُوعُ صَارِخاً بِصَوْتٍ
عَظِيمٍ: «يَاأَبِي، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي!» وَإِذْ قَالَ
هَذَا، أَسْلَمَ الرُّوحَ. 47فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا حَدَثَ،
مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ
بَارّاً». 48كَذلِكَ الْجُمُوعُ الَّذِينَ احْتَشَدُوا لِيُرَاقِبُوا
مَشْهَدَ الصَّلْبِ، لَمَّا رَأَوْا مَا حَدَثَ، رَجَعُوا قَارِعِينَ
الصُّدُورَ. 49أَمَّا جَمِيعُ مَعَارِفِهِ، بِمَنْ فِيهِمِ النِّسَاءُ
اللَّوَاتِي تَبِعْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، فَقَدْ كَانُوا وَاقِفِينَ مِنْ
بَعِيدٍ يُرَاقِبُونَ هَذِهِ الأُمُورَ.
50وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ الأَعْلَى إِنْسَانٌ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَهُوَ
إِنْسَانٌ صَالِحٌ وَبَارٌّ 51لَمْ يَكُنْ مُوَافِقاً عَلَى قَرَارِ
أَعْضَاءِ الْمَجْلِسِ وَفِعْلَتِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الرَّامَةِ إِحْدَى
مُدُنِ الْيَهُودِ، وَكَانَ مِنْ مُنْتَظِرِي مَلَكُوتِ اللهِ. 52فَإِذَا
بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جُثْمَانَ يَسُوعَ. 53ثُمَّ
أَنْزَلَهُ (مِنْ عَلَى الصَّلِيبِ) وَكَفَّنَهُ بِكَتَّانِ، وَوَضَعَهُ
فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ (فِي الصَّخْرِ) لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ
قَبْلُ. 54وَكَانَ ذَلِكَ النَّهَارُ يَوْمَ الإِعْدَادِ لِلسَّبْتِ
الَّذِي كَانَ قَدْ بَدَأَ يَقْتَرِبُ. 55وَتَبِعَتْ يُوسُفَ النِّسَاءُ
اللَّوَاتِي خَرَجْنَ مِنَ الْجَلِيلِ مَعَ يَسُوعَ، فَرَأَيْنَ الْقَبْرَ
وَكَيْفَ وُضِعَ جُثْمَانُهُ. 56ثُمَّ رَجَعْنَ وَهَيَّأْنَ حَنُوطاً
وَطِيباً، وَاسْتَرَحْنَ يَوْمَ السَّبْتِ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ.
24
وَلكِنْ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الأُسْبُوعِ، بَاكِراً جِدّاً،
جِئْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي هَيَّأْنَهُ.
2فَوَجَدْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ عَنِ الْقَبْرِ. 3وَلكِنْ
لَمَّا دَخَلْنَ لَمْ يَجِدْنَ جُثْمَانَ الرَّبِّ يَسُوعَ. 4وَفِيمَا
هُنَّ مُتَحَيِّرَاتٌ فِي ذلِكَ، إِذَا رَجُلاَنِ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ
قَدْ وَقَفَا بِجَانِبِهِنَّ. 5فَتَمَلَّكَهُنَّ الْخَوْفُ وَنَكَّسْنَ
وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ. عِنْدَئِذٍ قَالَ لَهُنَّ الرَّجُلاَنِ:
«لِمَاذَا تَبْحَثْنَ عَنِ الْحَيِّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ 6إِنَّهُ لَيْسَ
هُنَا، وَلَكِنَّهُ قَدْ قَامَ! اذْكُرْنَ مَا كَلَّمَكُمْ بِهِ إِذْ كَانَ
بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ 7فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لاَبُدَّ أَنْ
يُسَلَّمَ إِلَى أَيْدِي أُنَاسٍ خَاطِئِينَ، فَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ
الثَّالِثِ يَقُومُ». 8فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَهُ. 9وَإِذْ رَجَعْنَ مِنَ
الْقَبْرِ، أَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَالآخَرِينَ كُلَّهُمْ بِهَذِهِ
الأُمُورِ جَمِيعاً. 10وَكَانَتِ اللَّوَاتِي أَخْبَرْنَ الرُّسُلَ بِذلِكَ
هُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَيُوَنَّا، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ،
وَالأُخْرَيَاتُ اللَّوَاتِي ذَهَبْنَ مَعَهُنَّ. 11فَبَدَا كَلاَمُهُنَّ
فِي نَظَرِ الرُّسُلِ كَأَنَّهُ هَذَيَانٌ، وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.
12إِلاَّ أَنَّ بُطْرُسَ قَامَ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ، وَإِذِ انْحَنَى
رَأَى الأَكْفَانَ الْمَلْفُوفَةَ وَحْدَهَا، ثُمَّ مَضَى مُتَعَجِّباً
مِمَّا حَدَثَ.
13وَكَانَ اثْنَانِ مِنْهُمْ مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلَى
قَرْيَةٍ تَبْعُدُ سِتِّينَ غَلْوَةً (نَحْوَ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ) عَنْ
أُورُشَلِيمَ، اسْمُهَا عِمْوَاسُ. 14وَكَانَا يَتَحَدَّثَانِ عَنْ جَمِيعِ
مَا حَدَثَ 15وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ وَيَتَبَاحَثَانِ، إِذَا
يَسُوعُ نَفْسُهُ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا وَسَارَ مَعَهُمَا.
16وَلكِنَّ أَعْيُنَهُمَا حُجِبَتْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. 17وَسَأَلَهُمَا:
«أَيُّ حَدِيثٍ يَجْرِي بَيْنَكُمَا وَأَنْتُمَا سَائِرَانِ؟» فَتَوَقَّفَا
عَابِسَيْنِ. 18وَأَجَابَ أَحَدُهُمَا، وَاسْمُهُ كَلْيُوبَاسُ، فَقَالَ
لَهُ: «أَأَنْتَ وَحْدَكَ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَلاَ
تَعْلَمُ بِمَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؟» 19فَقَالَ لَهُمَا:
«مَاذَا حَدَثَ؟» فَقَالاَ: «مَا حَدَثَ لِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ الَّذِي
كَانَ نَبِيّاً مُقْتَدِراً فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ
وَالشَّعْبِ كُلِّهِ، 20وَكَيْفَ سَلَّمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ
وَحُكَّامُنَا إِلَى عُقُوبَةِ الْمَوْتِ وَصَلَبُوهُ. 21وَلَكِنَّنَا
كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ الْمُوشِكُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ. وَمَعَ
هَذَا كُلِّهِ، فَالْيَوْمَ هُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مُنْذُ حُدُوثِ
ذلِكَ. 22عَلَى أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ مِنَّا أَذْهَلْنَنَا، إِذْ
قَصَدْنَ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِراً 23وَلَمْ يَجِدْنَ جُثْمَانَهُ،
فَرَجَعْنَ وَقُلْنَ لَنَا إِنَّهُنَّ شَاهَدْنَ رُؤْيَا: مَلاَكَيْنِ
يَقُولاَنِ إِنَّهُ حَيٌّ. 24فَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِينَ مَعَنَا إِلَى
الْقَبْرِ فَوَجَدُوا الأَمْرَ صَحِيحاً عَلَى حَدِّ مَا قَالَتِ
النِّسَاءُ أَيْضاً، وَأَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْهُ!» 25فَقَالَ لَهُمَا:
«يَاقَلِيلَيِ الْفَهْمِ وَبَطِيئَيِ الْقَلْبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ
مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ! 26أَمَا كَانَ لاَبُدَّ أَنْ يُعَانِيَ
الْمَسِيحُ هَذِهِ الآلاَمَ ثُمَّ يَدْخُلَ إِلَى مَجْدِهِ؟» 27ثُمَّ
أَخَذَ يُفَسِّرُ لَهُمَا، مُنْطَلِقاً مِنْ مُوسَى وَمِنَ الأَنْبِيَاءِ
جَمِيعاً، مَا وَرَدَ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.
28ثُمَّ اقْتَرَبُوا مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ التِّلْمِيذَانِ
يَقْصِدَانِهَا، وَتَظَاهَرَ هُوَ بِأَنَّهُ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَانٍ
أَبْعَدَ. 29فَأَلَحَّا عَلَيْهِ قَائِلَيْنِ: «انْزِلْ عِنْدَنَا، فَقَدْ
مَالَ النَّهَارُ وَاقْتَرَبَ الْمَسَاءُ». فَدَخَلَ لِيَنْزِلَ
عِنْدَهُمَا. 30وَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ،
وَكَسَّرَ، وَأَعْطَاهُمَا. 31فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ.
ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا. 32فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: «أَمَا كَانَ
قَلْبُنَا يَلْتَهِبُ فِي صُدُورِنَا فِيمَا كَانَ يُحَدِّثُنَا فِي
الطَّرِيقِ وَيَشْرَحُ لَنَا الْكُتُبَ؟» 33ثُمَّ قَامَا فِي تِلْكَ
السَّاعَةِ عَيْنِهَا، وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، فَوَجَدَا الأَحَدَ
عَشَرَ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ، 34وَكَانُوا يَقُولُونُ:
«حَقّاً إِنَّ الرَّبَّ قَامَ، وَقَدْ ظَهَرَ لِسِمْعَانَ».
35فَأَخْبَرَاهُمْ بِمَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَا الرَّبَّ
عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ.
36وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ بِذَلِكَ، وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي
وَسَطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!» 37وَلكِنَّهُمْ،
لِذُعْرِهِمْ وَخَوْفِهِمْ، تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَبَحاً.
38فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ؟ وَلِمَاذَا تَنْبَعِثُ
الشُّكُوكُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ 39انْظُرُوا يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ، فَأَنَا
هُوَ بِنَفْسِي. الْمِسُونِي وَتَحَقَّقُوا، فَإِنَّ الشَّبَحَ لَيْسَ لَهُ
لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي». 40وَإِذْ قَالَ ذَلِكَ، أَرَاهُمْ
يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. 41وَإِذْ مَازَالُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ
الْفَرَحِ وَمُتَعَجِّبِينَ، قَالَ لَهُمْ: «أَعِنْدَكُمْ هُنَا مَا
يُؤْكَلُ؟» 42فَنَاوَلُوهُ قِطْعَةَ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ. 43فَأَخَذَهَا
أَمَامَهُمْ وَأَكَلَ.
44ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «هَذَا هُوَ الكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ
وَأَنَا مَازِلْتُ بَيْنَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا
كُتِبَ عَنِّي فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَكُتُبِ الأَنْبِيَاءِ
وَالْمَزَامِيرِ». 45ثُمَّ فَتَحَ أَذْهَانَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ،
46وَقَالَ لَهُمْ: «هَكَذَا قَدْ كُتِبَ، وَهَكَذَا كَانَ لاَبُدَّ أَنْ
يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ وَيَقُومَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ
الثَّالِثِ، 47وَأَنْ يُبَشَّرَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَغُفْرَانِ
الْخَطَايَا فِي جَمِيعِ الأُمَمِ انْطِلاَقاً مِنْ أُورُشَلِيمَ.
48وَأَنْتُمْ شُهُودٌ عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ. 49وَهَا أَنَا سَأُرْسِلُ
إِلَيْكُمْ مَا وَعَدَ بِهِ أَبِي. وَلَكِنْ أَقِيمُوا فِي الْمَدِينَةِ
حَتَّى تُلْبَسُوا الْقُوَّةَ مِنَ الأَعَالِي!»
50ثُمَّ اقْتَادَهُمْ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا.
وَبَارَكَهُمْ رَافِعاً يَدَيْهِ. 51وَبَيْنَمَا كَانَ يُبَارِكُهُمْ،
انْفَصَلَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ 52فَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ
رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، 53وَكَانُوا يَذْهَبُونَ
دَائِماً إِلَى الْهَيْكَلِ، حَيْثُ يُسَبِّحُونَ اللهَ وَيُبَارِكُونَهُ.
|