ألرئيســــية

 

الاسس الصحيحة لمفهوم "السلطة" في الاسرة

 

 

(حسب "الإرشاد الرسولي"، وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم)

 

 

الاسرة هي وحدة التكوين الانساني الاولى وموضع تنشئة الفرد على الحياة كشخص مستقل وكعضو في مجتمع. فهي بذلك المحطة لبناء العلاقات الانسانية الشخصانية بين الافراد ولعملية المشاركة الاجتماعية. هذا التحديد يتيح لنا نرى في الاسرة نقطة انطلاق في تكوين الشخصية والمرجع الاساسي لبناء الذات.

 

تذكر الرسالة المعنونة اعلاه، بأن على الوالدين مهمة في تربية اولادهم، تربية صحيحة، مسيحية، بحيث "يكون انساناً جديداً يحمل في ذاته دعوة الى النمو والتطور". وهذا ما يذكره ايضا المجمع الفاتيكاني الثاني بقوله: "بما ان الوالدين، قد اعطوا اولادهم الحياة، فيقع على عاتقهم الواجب الخطير جدا بأن يربوهم، ويجب بهذه الصفة، الاعتراف بأنهم المربون الأولون والرئيسون لأولادهم ... فمن واجب الوالدين خلق الجو العائلي الذي تسوده المحبة والاحترام تجاه الله والناس والذي يساعدهم على تربية اولادهم تربية كاملة، شخصية واجتماعية. فالاسرة هي المدرسة الاولى للفضائل الاجتماعية الضرورية لكل مجتمع".

 

هنا ايضا يوجه المجمع وبصورة خاصة الرسالة البابوية، على تأكيد دور الاب والام في تحمل المسؤولية التربوية لأولادهم. فالتربية الصحيحة، تثمر اولاداً صالحين، والتربية السيئة تثمر أولادا طالحين. وهنا نحن بصدد السلطة ودورها في المجتمع البيتي، هل لهذا الصدد مفعول كبير؟. اعتقد ان الجواب هو نعم، لأن الرسالة تركز على تربية الاولاد على الفضائل الاجتماعية. فإذا كنا نتسلط على اولادنا، سلطة تعسفية سنربي اولاداً، إما سلطويين ايضا، او خاضعين لنا وللمجتمع بلا كرامة، غير واثقين بأنفسهم.

 

فبالغة الاباء في التدخل في شؤون اولادهم يؤدي الى تكوين افراد ضعفاء مترددين او افراد متمردين، كما وان مبالغة الوالدين في اهمال الولد يؤدي الى شعوره بضآلة قيمته وبضعف ثقته بنفسه، وان اعطاء الحرية في القيام في الفعاليات وان يترك للولد الاستقلال في كثير من شؤونه يساعد على تنمية الثقة بنفسه. اما الاسلوب التسلطي والتساهل الشديد فأنهما يؤديان الى ضعف الثقة بالنفس والاتكالية.

 

فإذن، اذا كنا نريد ان نربي اولادنا تربية مسيحية صالحة ومنفتحة على المجتمع، علينا ان نمنحهم الحب الكافي "غير المفرط" حب الاب والام. "ان حب الوالدين الذي كان ينبوعاً يصبح روحا وقاعدة تحرك وتسيّر كل نشاط تربوي عملي وتغنيه بهذه القيم وهي الثقة والثبات والطيبة والخدمة والتجرد وروح التضحية التي هي اثمن ثمار الحب".

 

في الفقرة (38) من الرسالة، يؤكد البابا على ان واجب التربية "ينهل معين سر الزواج ماله من كرامة وكونه دعوة الى (خدمة) الكنيسة، خدمة حقيقية خاصة تعمل على بنيان اعضاء الكنيسة". فإذا، يؤكد البابا هنا على ان التربية خدمة، "تعمل على بنيان اعضاء الكنيسة"، اي ان للوالدين واجب تربوي مهم، لهم السلطان من الله الاب والمسيح الراعي، حيث يهتموا بأولادهم اهتماماً لائقاً، كي يصبحوا اعضاءً حقيقيين في جسد المسيح الذي هو الكنيسة.

 

إن تربية الاولاد، التي هي ضمن اختصاص الوالدين اولاً، هي مسؤولية يضعها الله اولاً على عاتق الوالدين، وبعدها المجتمع. حيث نقرأ صدى هذا الاقرار في سفر التكوين حيث يقول الله لآدم وحواء: "انموا واكثر واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا عليها" (تك1: 28). إذن السلطة التي من عن الله للانسان هي مسؤولية على جميع الاصعدة، وبالاخص بحسب الرسالة البابوية، تربية الاولاد تربية بحيث يصبحون ابناء الله واخوة المسيح وهياكل للروح القدس واعضاءً في الكنيسة.

 

أما من ناحية المجتمع، فإن عليه واجب احترام العائلة ومساعدتها في مهمتها، ولا سيما الدولة، عليها ان تعترف بالعائلة بوصفها مجتمعا يتمتع بحق ذاتي، اساسي. ومن هذا المنطلق تذكر الرسالة ما يلي: "لا تستطيع الدولة ولا يجوز لها ان تنتزع من العائلات الادوار التي يمكنها القيام بها على السواء، منفردة كانت ام مجتمعة، لكن عليها ان ترعى قدر الامكان، ما تقوم به العائلات من مبادرات مسؤولة وتشجيعها عليها". حيث هذه الفقرة القصيرة تؤكد، على حرية العائلة بأن يكون لها سلطة مستقلة في تربية الاولاد، والدولة عليها بسلطتها خدمة هذه العائلة من جميع النواحي، اجتماعية كانت او اقتصادية او تربوية او ثقافية التي تحتاج اليها لتنهض بما عليها من مسؤوليات.