|
|
|
أخلاقيّات الأخطاء والتسامح
واعجباً
..!
لقد تعلمنا كيف بدات الخطيئة في العهد القديم /سفر التكوين ، وتعلمنا ايضا من ربنا يسوع المسيح مقولته الشهيرة : "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر بهذه المرونة العذبة والتسامح النموذجي يتعامل التشريع الرباني مع البشر وأخطائهم ومن أجل ذلك فرّق هذا التشريع بين صغائر الذنوب وكبائرها ، فطريقته المنهجية هي اعتبار الخطأ طبيعة بشرية، فهو ليس شراً محضاً؛ ليمنحنا بذلك فرصة كبيرة للتناصح والنقد والمراجعة والتصحيح والتواضع، ويعزّز بهذا المفهوم جانب الإخاء والتكافل بين المؤمنين في بذل النصح فيما بينهم، ليس فقط على الصعيد الفردي، بل على صعيد المجموعات والدول، والأمم فالتسامح كلمة مكونة من سبعة حروف (عدد كامل حسب الكتاب المقدس)، لأنها تكمِّل تعاليم المسيح غير الناقصة. ليس في المسيحية أعظم من هذه الكلمة التي هي ثمرة محبة . ما أحوجنا إليها في كنائسنا، في بيوتنا، وفي كل مكان نتوجه إليه. قد تجد الزوج مصراً على كلامه، والزوجه مصمِِّمة على رأيها.. ألأب له أفكاره، والابن ضد أبيه.. وهكذا عالم يعوم و يغوص في محيط من الزوابع والخصومات وليس من سلام، كقول الكتاب: "لا سلام قال إلهي للأشرار،" وسوف يظل كذلك إلى حين تُنتزع البغضاء و الكراهية من القلوب ليحلّ محلها التسامح..فما هو التسامح إذن؟ أستطيع أن أقول عنه النسيان. وأي نسيان يا ترى؟ هل هو نسيان محبة الله. كلا ، إنه نسيان الإساءة ـ إساءة الغير ـ او بمعنى آخر مغفرة زلات الآخرين. ويمكنك أن تعاتب من أساء إليك بالمحبة، بأن تذهب إليه وتعاتبه.. كما يجب أن تنسى كل ما وجَّهه إليك بالمحبة، فاذهب إليه وعاتبه.. كما يجب أن تنسى كل ما وجَّهه إليك بالفعل و القول ـ وربما تقول إ ن ذلك تنازلاً عن حقك ـ وليكن كذلك ـ لكي تعيش سعيداً فتربح الحياة المجيدة. و لكي تستطيع أن تتبع هذا الدستور، فلنتعرَّف على صفات هذا التسامح و علاماته و بركاته صفات التسامح أ ـ من كل القلب: نسمع الكثيرين يقولون: "وأنت وانا واحد منهم". أنا مستعد أن أصفح عن كل أخطاء خصمي، ولكن بعد فترة وجيزة أو بمجرد أن يخطىء إليك أخوك تتذكَّر كل الماضي و تبدأ تشنّ عليه حرباً جديدة. ليست هذه المسامحة المقصودة. ولكن كما قال السيد الرب بأنه لا يعود يذكر خطاياهم فيما بعد" لأنه طرحها في بحر النسيان". إذاً عليك أن تطرح كل خطايا أخيك في أعماق الماضي، وتنزعها من كل قلبك، و تذكر وصية المسيح الثمينة "لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يخطا إلينا" (لوقا 11: 4). ب ـ عن كل الأخطاء: ربما تقول انا أسامح أخي باستثناء خطية معينة لا أنساها ما حييت. اسمع قول المسيح الجميل "بل إلى سبعين مرة سبع مرات،" فإن كنت لا تستطيع أن تسامح أخاك، كيف تطلب من الله أن يصفح لك عن كل آثامك وخطاياك. فلنتذكر قول الرسول بولس إلى اهل كولوسي 2: 13 مشيراً إلى عمل المسيح على الصليب "مسامحاً لكم بجميع الخطايا ج ـ لكل الناس: نلاحظ أننا اعتدتنا أن نسامح الذي يسيء إلينا بشرط أن يكون قريبنا أو صديقنا فقط. لا، من قال لنا ذلك؟!! يجل ان لا نكون متعصبين، بل ان نتبع تعاليم سيدنا المسيح ونسمعه وهو يكلمنا : "اغفروا يُغفر لكم" (لوقا 6: 37). و أيضاً "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يَغفر لكم" (متى 6: 15). لم يخصص طائفة من الناس، ولكن كل الناس على سواء ـ ولو أنهم أعداء ـ كما فعل ذلك المسيح على الصليب. ويكتب الرسول بولس إلى أهل أفسس "متسامحين كما سامحكم المسيح" فإن كان الله يحب الكل ويشرق شمسه على الأبرار و الأشرار فكيف تفرّق أنت و تسامح البعض وتترك البعض الآخر؟ علامات التسامح أ ـ ترك الماضي: أولى علامات التسامح هي التعاون مع من أساء إليك في إنجاز العمل، ولا يمكنك ذلك إن لم تترك ما حدث و تبدأ من جديد حتي تكون الخميرة جيدة و البذرة نقية. ب ـ المحبة: لا شك عندما تهرب البغضاء تحلّ محلها المحبة الكاملة من القلب الطاهر، و كما يقول البعض: "إن أعظم محبة هي تلك التي تكون بعد التسامح". فإن كنت تشعر بالمحبة الحقيقية نحو "خصمك السابق"، فتلك علامة أكيدة للمغفرة و التسامح. ج ـ الصلاة: بمجرد أن تصفح عن أخطاء الغير تجد نفسك تذكرهم في صلواتك اليومية. ولكي تحبّهم أكثر عليك أن تصلي من أجلهم ليعطيهم الرب حكمة فتُظهر أمام الله نقاوة قلبك. ويقول الرب في سفر الخروج 35 :5 إن الذي يتقدَّم بتقدمة أمام الرب يكون سموح القلب أي قلبه نقياً طاهراً دون خصام. بركات التسامح أ ـ الفرح: أقول هذا عن اختبار.. عندما يسيء إليّ إنسان و أذهب إليه و أعاتبه و أصلي من أجله، أجد نفسي ممتلئاً بفرح تام لأنني أطرح ثقلاً عن كاهلي قد ألقيته على ربي فأفرح. ب ـ السلام: كلنا يعلم أن العالم يتطاحن من أجل السلام.. و لكن هيهات. لا يحلّ السلام إلا إذا صفح كل واحد عن زلة أخيه. وإني أنصحك أن تجرب هذا و لو مرة فستجد عمق السلام الذي يملأ قلبك ج ـ راحة الضمير: هل تعلم لماذا تعيش قلقاً؟ لأنك لم تسامح الآخرين، أو لأن الله الساكن في قلبك يخاطبك ويطلب منك أن تسامح فلانا عن الإساءة الموجهة إليك، ولكنك ترفض بشدَّة فتتحمَّل عذاب ضميرك. ولكي تعيش براحة ضمير، وتنعم بالبركات الجزيلة عليك الإصغاء إلى الصوت الذي يناجي ضميرك و يقول "تعال اغفر لكل من يذنب إليك"، فتنال الفرح والسلام وراحة الضمير. وبهذه المنهجية المعتدلة في قراءة "الخطأ" نتعلم من الأخطاء دوام المراجعة وعدم الترفع عن التصحيح والنقد والخطأ - بهذه القراءة- جزء طبيعي من الحياة، وكونه كذلك لا يعني أبداً أن نستسلم له أو نكسل عن تصحيحه بحجة أنه طبيعة جبلّية، بل علينا أن نعمل جاهدين على تصحيح هذا الخطأ متى وُجد ومحاولة اكتشافه في كل شيء: في ذواتنا وأنفسنا ونوايانا وأعمالنا وسياساتنا وأفكارنا ومؤسساتنا.. لأجل أن نتحرر من هذا الخطأ، وهذا العمل التصحيحي يعطي فرصة لفئات عديدة أن تعمل لهذا الدين من خلال ممارستها لنقد الأخطاء التي يقع فيها الفرد أوالجماعة، ويكون نقده محسوباً في دائرة العمل الإيجابي، لما فيه من كشف الأخطاء، والدعوة للتصحيح، دون تتبّع لعورة أو تجنِّ على أحد، أو مبالغة في شيء وعلينا أن نفر من قـَدَر الأخطاء إلى قـَدَر التصحيح والمراجعة والنقد والتقويم؛ بغية الوصول للأفضل؛ نفعاً لأنفسنا وأمتنا وديننا، علينا أن نقوم بهذا العمل بطريقة أخلاقية؛ فإن مراجعة الأخطاء وتصحيحها تحتاج إلى اعتدال وموضوعية، في كافة المستويات، و الإلحاح على ملاحقة الخطأ يصنع مشكلة جديدة وخطأ آخرَ فطفلك الصغير حينما تكثر عتابه وتوبيخه، وتؤنّبه باستمرار ربما تحطّم نفسيّته وشخصيّته، وهكذا هو أمر المدير مع الموظفين والزوج مع زوجته ومن أخلاقيات الخطأ، امتلاك الوضوح والشفافية والجرأة في المعالجة، و هذه من أهم النقائص التي يعاني منها الشرقيين؛ إذ تفتقد معظم الدوائر والجهات والجماعات الجرأة في الاعتراف بالخطأ، والتصريح به، بيد أن العالم الغربي قد اعتاد على عكس ذلك، فبمجرد أن توجد ظاهرة قد انتشرت، كسرقة السيارات –مثلاً- ترى وسائل الإعلام والبرلمانات والندوات تُدار حول هذه الظاهرة وأسبابها وطرق معالجتها .. الخ بينما العالم العربي او المجتمع الشرقي بشكل عام والعائلة الشرقية بشكل خاص تميل إلى نوع من التكتم؛ فالاعتقاد السائد يقول بأن وأد المشكلات هو في التكتم عليها لمساعدتها على الزوال بحجة أن الزمن كفيل بحلها، لكن الزمن عنصر محايد قد يضاعف المشكلة، وقد يساعدعلى حلها بحسب ما نقدّمه نحن، والشفافية تحتاج إلى مناخ من الحرية يسمح بطرح المشكلة والتعامل معها بوضوح.ومن أخلاقيات الأخطاء: الصبر على التصحيح، والدأب في ذلك، وفي المقابل الصبر على الأخطاء التي تحتاج إلى زمن طويل قد لا يكفي عمر الفرد فيها على تصحيحها لمساعدة الأجيال القادمة على حلها، ومن كانت في يده فسيلة فليغرسها للناس والمستقبل والأجيال، وإن من عوائدنا هو حرص الفرد على انفراده بالتصحيح دون السماح للشركاء، أو مساعدة الآخرين للقيام بالحلول والتصحيح، فالأخطاء لا يمكن أن تزول بين عشية وضحاها، ولا يمكن أن تزول بقرار، وإن كان القرار مؤثراً؛ لأن جزءاً من تربية الناس وشخصياتهم وعاداتهم تتطلب توافر الجهود والدأب على المراجعة،وتحتاج إلى قرارات ذاتية بتجاوز الخطأ والتفوق عليه والخطأ يحتاج لأسلوب حكيم لبثّ الإصلاح، و يحتاج للنظر الإيجابي حتى للأخطاء، والكأس نصف الممتلئ تستطيع أن تقول عنه ذلك، وتستطيع أن تقول إن نصفه فارغ.ومن أخلاقيات الأخطاء تفهّم دوافع الآخرين، فإنّ تفهّم دوافع الآخرين يعطي الإنسان اعتدالاً وجرعة من حسن الظن بهم، حتى مع حصول الخطأ منهم، مما يهيئ الجو لتجاوز الأخطاء وتداركها، والتعامل بذكاء معها ولكي نعالج الأخطاء بذكاء وأخلاقية يجب أن نتذكر أخطاءنا تجاه الآخرين، وأن نتحلّى بالصبر على الناس وعلى أخطائهم وعلى أنفسنا قبل ذلك.لذلك عزيزتي وعزيزي القاريء لنبدأ بأنفسنا وذواتنا، وننشغل بها، ولنراجع حساباتنا قبل أن ننشغل بالآخرين؛ فإن الطريق إلى التصحيح العام يمر عبر التصحيح الفردي الخاص . لنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغلُ |